×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : الدكتورة ثروت المعاقبة

المعاقبة تكتب : عمر الحباشنة....حلم بدأ في معهد الأميرة تغريد للتدريب المهني.. وانتهى بامتلاك مشروع خاص

المعاقبة تكتب : عمر الحباشنة....حلم بدأ في معهد الأميرة تغريد للتدريب المهني.. وانتهى بامتلاك مشروع خاص
22 الإعلامي   -

بقلم : د. ثروت المعاقبة


قصص النجاح  في مجتمعاتنا ليست حكايات عن طرق سهلة ومعبدة لمن وصلوا إلى أهدافهم، فهناك محطات لم  يصل إليها أصحابها إلا بعد عناء كبير أو انتظار طويل، فبعض القصص تبدأ بحلم صغير، وتنمو بالصبر والإصرار والعزيمة على تجاوز الصعوبات مهما بلغت، وفي هذه الحاله تصبح شاهدا حيا على قدرة الإنسان على التجاوز  وصناعة المستقبل  دون الاستعانة بسند أو معيل.

ومن بين القصص التي تستحق أن  تذكر  بكل فخر، قصة الشاب  الكركي عمر محمد الحباشنة، الذي بدأ رحلته المهنية عام 2019 من معهد الأميرة تغريد للتدريب المهني – الكرك/الربة، حين التحق بتدريب  تخصص "حلاق رجالي"، حاملا في قلبه وعقله طموحا يتجاوز حدود التعلم، ويتمثل في بناء مستقبل مهني مستقل والاعتماد على الذات متحديا  بذلك قلة الفرص ومحدودية الموارد المتاحة أمامه.

ولم تكن رحلة عمر خالية من التحديات والعقبات، فقد جاءت جائحة كورونا لتعطل تدريبه وتؤخر خطواته الأولى في بناء مستقبله المهني الذي طالما انتظره، لكن الظروف، مهما اشتدت، لم تكن كافية لإطفاء الحلم الذي حمله في ذاكرته طوال سنوات، فاختار أن يواصل الطريق دون انقطاع، وأن يجعل من التأخير فرصة لإعادة المحاولة من جديد.

ومع مرور الوقت، انتقل عمر من مرحلة التدريب في المعهد إلى التطبيق في ميدان العمل، فتنقل بين عدد من صالونات الحلاقة، ليكتسب الخبرة بالممارسة اليومية، ويتعلم من أصحاب المهنة أسرارا وطرقا جديدة، ويطور من مهاراته خطوة بخطوة، لقد أدرك  عمر أن إتقان المهنة لا يتحقق بالشهادة وحدها، بل يحتاج إلى الصبر والعزيمة، والانضباط، والرغبة المستمرة في التعلم والتطور والنمو ولن يكون الإ بوجود تدريب يومي على مختلف قصات الشعر  ولن يأتي ذلك الا من خلال العمل لدى المختصين بهذا المجال.

ومن  أبرز التحديات التي واجهها عمر أثناء انخراطه في العمل.....ضعف السمع الذي رافقة منذ الولادة، إلا أن هذه الظروف لم تكن نهاية الطريق بالنسبة له، ولم تمنعه من السعي نحو هدفه. لقد واصل العمل واجتهد بكل ما أوتي من قوة، وأثبت من خلال تجربته أن الإنسان لا تحدد قدراته بظروفه المحيطة، بل بما يمتلكه من إرادة واستعداد للعمل والتعلم ومواجهة التحديات مهما كان نوعها.

ومع تراكم الخبرة إاتقان المهارة، بدأ الحلم الذي رافق عمر منذ البداية يقترب من الواقع شيئا فشيئا، فلم يعد يطمح إلى العمل في صالون، بل أصبح يتطلع إلى امتلاك مشروعه الخاص وأن يستقل بنفسه، ليكون مسؤولا عن مشروعه، وصانعا لخطواته القادمة، وبفضل الله وحده، ثم بجهده وإصراره  الكبير والخبرة التي اكتسبها، استطاع أن يفتتح مشروعه الخاص، محققا حلمه الذي عمل من أجله سنوات عديدة.

إن افتتاح صالون عمر ليس مجرد بداية لمشروع تجاري خاص، بل هو ثمرة سنوات من التعلم والعمل والصبر، ودليل على أهمية مؤسسة التدريب المهني في فتح آفاق ومجالات جديدة أمام الشباب، وتمكينهم من تحويل المهارات التي يكتسبونها إلى فرص عمل ومشروعات منتجة تعود عليهم بالنفع مستقبلا.

وبصفتي جزءا من هذه المؤسسة أعتز بقصص الشباب الذين يصنعون مستقبلهم بإرادتهم، وأرى في تجربة عمر محمد الحباشنة رسالة تتجاوز حدود النجاح الفردي، فهي رسالة تؤكد أن التدريب المهني يمكن أن يكون نقطة انطلاق حقيقية نحو الاستقلال الاقتصادي لكل شاب أردني، وأن دعم الشباب وإتاحة الفرص أمامهم يسهمان في بناء مجتمع أكثر قدرة على الإنتاج والإنجاز والتقدم والازدهار.

كما أن هذه القصة تذكرنا بأهمية توفير بيئة تدريبية ومهنية دامجة، تحترم اختلاف القدرات بين الطلاب، وتمنح كل شاب الفرصة لإظهار إمكاناته وقدراته، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو التركيز على التحديات التي يواجهها الشباب فقط، فالمحاولة في تذليل الصعوبات أمام الشباب يعد أيضا فرصة للتقدم فيما بعد.

ومن هنا، تبرز أهمية الدور الذي يؤديه معهد الأميرة تغريد للتدريب المهني في تمكين المتدربين بالمهارات العملية التي تساعدهم على دخول سوق العمل، وبناء مسارات مهنية تتناسب مع طموحاتهم وقدراتهم. فالمعهد  اليوم لا يقدم التدريب على مهنة فحسب، بل يفتح أمام الشباب بابا عظيما نحو الاعتماد على الذات وصناعة مستقبل أكثر استقرارا من خلال متابعة الخريجين بعد فترة التدريب في المعهد والتطبيق في الميدان لرصد أهمية التدريب بمنح الخريجين فرص للتنافس على فرص العمل.

وأجد أن أجمل ما في قصة عمر محمد الحباشنة أنه لم ينتظر أن تصبح الطريق خالية من العقبات كي يبدأ السير، بل واصل  رغم ما واجهه، حتى وصل إلى مرحلة أصبح فيها صاحب مهنة ومشروع خاص يقصده الكثيرون ومن مناطق بعيدة.

وعلى حد وصفه لمهنته أنا طبيب نفسي أسمع كل زبون منهم وأشارك  في مواساته إذا كان حزينا فكل زبون يدخل حاملا لثقل الحياة فيخرج مرتاحا، وقد خف الحديث عنه الكثير من الآلام.

إن النجاح لا يكمن  بخلو الرحلة من الصعوبات، بل بما تمتلك من الشجاعة لمواصلة الطريق رغم صعوبتها. وهذه الرسالة أوجهها لكل شاب وشابة في معهد الأميرة تغريد للتدريب المهني: لا تجعلوا الظروف تحدد سقف طموحاتكم، وابدؤوا بما تملكون من إمكانات وقدرات، واستثمروا في تعلمكم ومهاراتكم، فرب خطوة صغيرة اليوم تصبح غدا بداية قصة نجاح تستحق أن نتذكرها ونتحدث عنها.