بقلم : الأستاذ أحمد سليمان الزغيبات
لم تكن الحادثة المؤلمة التي شهدتها كنيسة حمود في محافظة الكرك يوم أمس مجرد حادثة عابرة ، بل كانت وجعًا امتد صداه إلى قلوب الأردنيين في جميع محافظات المملكة ، وأثارت مشاعر الحزن والقلق في نفوس أبناء الوطن الواحد ، الذين يجمعهم تاريخ طويل من المحبة والتآخي والتلاحم.
في مثل هذه الظروف الصعبة ، تتجلى حقيقة الأردنيين الذين اعتادوا الوقوف إلى جانب بعضهم بعضًا في الشدائد والمحن ، فلا تسأل الفزعة عن مدينة أو قرية أو عشيرة أو دين ، بل تحضر النخوة الأردنية الأصيلة ، ويقف الجميع صفًا واحدًا ، لأن المصاب الذي يصيب جزءًا من الوطن هو مصاب لكل أبنائه.
وقد حملت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى محافظة الكرك للاطمئنان على المصابين وتفقد أحوالهم رسالة إنسانية ووطنية عميقة ، تؤكد أن سلامة المواطنين وكرامتهم وطمأنينتهم تأتي في مقدمة الأولويات ، وأن القيادة تقف إلى جانب أبناء شعبها في أوقات الشدة ، كما تقف معهم في أوقات الفرح والإنجاز.
الأردن أكبر من الألم ، وأقوى من كل محاولة للمساس بوحدته الوطنية.
إن ما شهدته كنيسة حمود في محافظة الكرك حادثة مؤلمة ومدانة ، تمس مشاعر الأردنيين جميعًا ، ولا يمكن النظر إليها باستخفاف أو التقليل من أثرها الإنساني والوطني. إن الاعتداء على أمن الناس وطمأنينتهم عمل مرفوض ، وإن استهداف دور العبادة أو ترويع الآمنين سلوك لا يمت إلى قيمنا الأردنية الأصيلة بصلة.
إن مثل هذه الأفعال لا يقدم عليها إلا من يتجاهل قيمة الإنسان وقدسية الأمن والسلام ، ومن يعتقد أن بإمكانه النيل من تماسك المجتمع أو زرع الفرقة بين أبنائه. لكن الأردنيين ، بما يحملونه من قيم النخوة والأخوّة واحترام الآخر، لن يسمحوا لأي فعل جبان أو محاولة لإثارة الفتنة بأن تنال من وحدتهم الوطنية أو تعبث بنسيجهم الاجتماعي. وستبقى الكرك وأهلها جزءًا عزيزًا من وطن يجمع أبناءه على المحبة والتآخي ، وسيظل وعي الأردنيين ووحدتهم أقوى من كل ما قد يستهدف أمنهم واستقرارهم.
إن ما نحتاج إليه اليوم هو التمسك بقيمنا الأردنية الأصيلة ، والابتعاد عن الشائعات والتأويلات التي قد تستغل مشاعر الحزن لإثارة الفتنة أو زرع الشك بين أبناء المجتمع الواحد. فلا يجوز أن نسمح لحادثة مؤلمة ، مهما كانت تداعياتها، بأن تتحول إلى مساحة للفرقة أو الإساءة أو التشكيك في روابط الأخوّة التي تجمعنا.
إن المسلمين والمسيحيين في الأردن ليسوا مجموعتين منفصلتين ، بل هم أبناء وطن واحد، تجمعهم الأرض والتاريخ والمصير المشترك ، وتربطهم علاقات الجيرة والصداقة والقرابة والعمل والمواقف الإنسانية النبيلة. وقد شهدت مختلف المناسبات ، على امتداد تاريخ الأردن ، صورًا مشرقة من التآخي ، حيث يتشارك الأردنيون أفراحهم وأتراحهم ، ويتبادلون التهاني في الأعياد ، ويتقاسمون مشاعر الحزن والمواساة عند المصائب.
هذه ليست مجرد كلمات تُقال في أوقات الأزمات ، بل هي حقيقة راسخة في المجتمع الأردني ، تجسدها المواقف اليومية والعلاقات الممتدة بين أبناء المدن والقرى والبوادي والمخيمات ، حيث تبقى المحبة والاحترام المتبادل أساسًا للحياة المشتركة.
ومن هنا ، فإن مسؤوليتنا جميعًا اليوم تتمثل في مواساة المصابين وذويهم، والدعاء لهم بالشفاء العاجل ، والوقوف إلى جانب كل من مسّه هذا المصاب ، مع ترك المجال للجهات المختصة للقيام بواجبها ، وكشف ملابسات الحادثة ، وإعلان نتائج التحقيق وفق الأصول القانونية.
كما تقع على عاتقنا مسؤولية حماية خطابنا الوطني من كل ما قد يؤجج المشاعر أو يزرع الانقسام ، فالكلمة في أوقات الأزمات قد تكون جسرًا للمحبة ، وقد تتحول، إن غابت عنها المسؤولية ، إلى سبب في تعميق الجراح. ومن واجبنا أن نكون أكثر وعيًا ومسؤولية في التعامل مع الأحداث ، وأن نرفض كل خطاب يحاول استغلال الألم لبث الكراهية أو الإساءة إلى أي مكوّن من مكونات مجتمعنا الأردني.
يا أهل الكرك وجعكم وجعنا ، ومصابكم مصاب الأردن كله.
من الشمال إلى الجنوب ، ومن الشرق إلى الغرب ، يقف الأردنيون اليوم بقلوبهم ودعواتهم إلى جانب المصابين وأسرهم ، مؤكدين أن هذا الوطن سيبقى بيتًا واحدًا لجميع أبنائه ، وأن روابط الأخوّة والمحبة أقوى من كل ألم ، وأن وحدتنا الوطنية ليست شعارًا نرفعه ، بل عهد نحمله ومسؤولية نصونها.
نسأل الله أن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل ، وأن يربط على قلوب ذويهم ، وأن يحفظ الأردن آمنًا مطمئنًا ، ويحفظ قيادته وشعبه ، ويديم بين أبنائه المحبة والتآخي والسلام.
حفظ الله الأردن، مسلمين ومسيحيين ، قيادةً وشعبًا وأرضًا ، وأدام علينا نعمة الأمن والأمان ، وجعل هذا الوطن دائمًا نموذجًا للأخوّة والتسامح والعيش المشترك.









