بقلم : أ.د. محمد الفرجات
ليست جريمة كنيسة حمود في الكرك حادثة عابرة في سجل الأردن، وليست مجرد أرقام لضحايا سقطوا في اعتداء مسلح. إنها جرح وطني أصاب الأردنيين جميعًا، واعتداء على حرمة الحياة ودور العبادة، ومحاولة خطيرة لتهديد أمن مجتمع عُرف بتماسكه وتعايش أبنائه، مسلمين ومسيحيين، تحت مظلة وطن واحد وقيادة واحدة.
سبعة شهداء و34 مصابًا في جريمة وقعت أثناء جنازة في كنيسة بقرية حمود في محافظة الكرك. خلف كل شهيد عائلة، وخلف كل مصاب حكاية ألم، وخلف المشهد كله سؤال وطني كبير: كيف نحمي الأردن في إقليم تتوالد فيه الحروب والتنظيمات المتطرفة، وتتغير فيه أدوات الإرهاب ومسمياته، فيما تبقى غاياته واحدة؛ القتل والترويع وزعزعة الاستقرار وإشعال الفتن؟
إن الإجابة لا تبدأ من هذه الجريمة وحدها، بل من قراءة تجربة الأردن خلال العقود الثلاثة الماضية، ومن فهم الدور الذي اضطلعت به القيادة الهاشمية، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، في حماية الدولة والمجتمع، ومن تقدير تضحيات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ووعي شعب أثبت مرارًا أن وحدته الوطنية ليست شعارًا للاستهلاك، بل ركيزة من ركائز بقاء الدولة واستقرارها.
الإرهاب يتغير في أسمائه، لكنه لا يتغير في أهدافه
منذ تسعينيات القرن الماضي، والأردن يواجه أشكالًا متعددة من التطرف والعنف السياسي والإرهاب، في منطقة لم تعرف استقرارًا طويل الأمد. تعاقبت التنظيمات، وتبدلت الشعارات، وظهرت جماعات رفعت أسماء دينية وأيديولوجية مختلفة، لكن القاسم المشترك بينها كان استباحة الدماء، ورفض الاختلاف، ومحاولة إخضاع المجتمعات بالقوة، وضرب ثقة المواطنين بدولهم ومؤسساتهم.
في التاسع من تشرين الثاني عام 2005، هزت تفجيرات فنادق عمّان البلاد، وحصدت أرواح نحو ستين إنسانًا وأصابت المئات. يومها، لم يكن المستهدف مباني وفنادق فحسب، بل أمن العاصمة، وحياة المدنيين، وصورة الأردن المستقر في منطقة مشتعلة. كانت تلك الجريمة من أكثر المحطات إيلامًا في تاريخ المملكة الحديث، وكشفت أن الإرهاب لا يتردد في استهداف الأبرياء، ولا يحترم حياة الإنسان، ولا يتورع عن تحويل الأماكن المدنية إلى ساحات للموت.
ثم جاءت سنوات تمدد تنظيم داعش في العراق وسوريا، لتضع الأردن أمام تهديد أكثر تعقيدًا؛ تنظيم لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى السيطرة على العقول، ويستخدم الدعاية الرقمية والتكفير والتجنيد والتحريض، ويقدم القتل بوصفه عقيدة، والوحشية بوصفها بطولة، والخلاف مع الآخر مبررًا لإهدار دمه.
وكان استشهاد الطيار الأردني معاذ الكساسبة على يد هذا التنظيم عام 2015 شاهدًا على طبيعة العدو الذي واجهه الأردن، وعلى الثمن الإنساني الباهظ لهذه المواجهة.
قلعة الكرك وإربد والبقعة والركبان: محطات لا يجوز أن ننساها
في عام 2016، شهد الأردن سلسلة من الاعتداءات والمواجهات الأمنية التي كشفت حجم التهديد الذي فرضته التنظيمات المتطرفة على المملكة.
في آذار، واجهت الأجهزة الأمنية خلية مسلحة في إربد، وانتهت العملية بمقتل مسلحين واستشهاد أحد أفراد الأمن. وفي حزيران، استهدف اعتداء مسلح موقعًا تابعًا لدائرة المخابرات العامة قرب مخيم البقعة، وأدى إلى استشهاد خمسة من العاملين فيه. وبعد أسابيع، استهدف تفجير إرهابي موقعًا عسكريًا أردنيًا قرب الركبان على الحدود مع سوريا، فاستشهد سبعة من منتسبي القوات المسلحة.
وفي كانون الأول من العام نفسه، جاءت أحداث قلعة الكرك لتضيف فصلًا دمويًا آخر إلى سجل المواجهة الأردنية مع الإرهاب.
بدأت الأحداث باعتداءات مسلحة على أفراد من الأجهزة الأمنية، ثم امتدت إلى مدينة الكرك وقلعتها التاريخية، حيث تحصن مسلحون ووقعت مواجهة استمرت ساعات. وأسفرت الأحداث عن مقتل عشرة أشخاص، بينهم سبعة من رجال الأمن ومواطنان أردنيان وسائحة كندية، فيما قُتل أربعة من المهاجمين. ثم تواصلت العمليات الأمنية في محيط الكرك، وشهدت منطقة قريفلا مواجهات أخرى أسفرت عن استشهاد أربعة من أفراد الأمن.
لم تكن قلعة الكرك في تلك الأحداث مجرد موقع أثري وسياحي، بل تحولت إلى مسرح لمواجهة كشفت أن الإرهاب قد يستهدف المؤسسة الأمنية، والمواطن، والزائر الأجنبي، والمكان الذي يختزن ذاكرة الوطن وتاريخه، في وقت واحد.
وهنا تكمن خطورة الإرهاب: فهو لا يستهدف أشخاصًا بعينهم فقط، بل يحاول ضرب صورة الدولة، وإرباك الحياة العامة، وإخافة المستثمر والزائر، وإضعاف الثقة بالمؤسسات، وإيصال المجتمع إلى حالة من القلق والشك.
لكن الأردن لم يسمح لهذه الجرائم بأن تتحول إلى واقع دائم، ولم يتخل عن دوره في مواجهة التنظيمات المتطرفة، وظل يعمل على تعزيز قدراته الأمنية والعسكرية، وتطوير التعاون الدولي، وملاحقة الخلايا المسلحة، وحماية حدوده ومواطنيه.
واليوم، تعود الكرك إلى واجهة الألم الوطني مع جريمة كنيسة حمود. وبين أحداث القلعة عام 2016 والاعتداء الأخير، تتكرر المحافظة نفسها في ذاكرة المواجهة، لكن الواجب أن نتذكر أن تكرار المكان لا يعني بالضرورة وحدة الجهة أو الدافع أو الأسلوب. فهذه مسائل تحسمها التحقيقات والأدلة، لا الانطباعات والتكهنات.
أما الثابت، فهو أن أمن الكرك من أمن الأردن كله، وأن الاعتداء على أبنائها اعتداء على كل بيت أردني.
الملك عبدالله الثاني: الأمن الوطني رؤية ومسؤولية وموقف
على مدى أكثر من ربع قرن من عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، واجه الأردن تحديات أمنية وإقليمية متلاحقة، من الإرهاب العابر للحدود إلى تداعيات الحروب في العراق وسوريا، ومن تمدد التنظيمات المتطرفة إلى اضطرابات إقليمية لم تتوقف آثارها عند حدود الدول التي اندلعت فيها.
وفي هذا السياق، لم تكن مواجهة الإرهاب مجرد استجابة لحدث طارئ، بل جزءًا من مسؤولية الدولة في حماية وجودها واستقرارها، ومن نهج سياسي وأمني يقوم على حماية الأردن، وصون وحدته الوطنية، وتعزيز قدرة مؤسساته على التعامل مع المخاطر.
لقد اتخذت المواجهة في عهد الملك أبعادًا متعددة؛ أمنية وعسكرية وفكرية ودبلوماسية. فالأردن شارك في التحالف الدولي لمحاربة داعش، وعزز تعاونه مع الدول الشقيقة والصديقة في تبادل المعلومات ومكافحة التنظيمات الإرهابية، كما واصل الملك التحذير في المحافل الدولية من خطورة التطرف، ومن محاولات اختطاف الدين وتوظيفه في التحريض على القتل والكراهية.
وكانت رسالة عمّان، ومبادرات الحوار بين الأديان، والدعوة إلى الاعتدال والتسامح، وأسبوع الوئام العالمي بين الأديان، الذي أقرته الأمم المتحدة بمبادرة أردنية، تعبيرًا عن إدراك أن الإرهاب لا يُهزم بالسلاح وحده، وأن المعركة الحقيقية تمتد إلى الفكر والثقافة والتعليم والخطاب الديني والإعلامي.
وهنا تتضح أهمية الرؤية الملكية: حماية الأردن لا تعني فقط منع الاعتداءات، بل حماية المجتمع من الأفكار التي تبررها، وصيانة علاقات أبنائه من التحريض، وإبقاء الدولة قادرة على مواجهة المخاطر من دون أن تفقد توازنها أو تتخلى عن قيمها.
فالقيادة في الأزمات ليست مجرد إدارة للحظة، بل استشراف لما قد يأتي بعدها، واستعداد لما قد يتشكل من تهديدات، وبناء مؤسسات قادرة على حماية الحاضر وصون المستقبل.
الأجهزة الأمنية: احتراف وتضحيات ومسؤولية لا تقبل التراخي
لا يمكن الحديث عن صمود الأردن في مواجهة الإرهاب من دون الوقوف باحترام أمام تضحيات منتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، الذين واجهوا الخطر في الميدان، ودفع بعضهم حياته ثمنًا لأمن المواطنين.
لقد أثبتت التجربة الأردنية أن الأمن ليس مجرد انتشار للدوريات أو إقامة الحواجز، بل منظومة متكاملة تبدأ بالمعلومة الدقيقة، والتحليل المهني، والرصد المبكر، والتنسيق بين المؤسسات، وتنتهي بالاستجابة السريعة والتحقيق والملاحقة والمحاسبة وفق القانون.
وفي أعقاب جريمة كنيسة حمود، تقع على عاتق الجهات المختصة مسؤولية كشف ملابسات الاعتداء كاملة، وتحديد هوية المتورطين، والتحقق من دوافعهم وصلاتهم المحتملة، وتقديمهم إلى العدالة، مع استخلاص الدروس اللازمة لتعزيز الوقاية ومنع تكرار مثل هذه الجرائم.
ومن المهم هنا أن نفهم حقيقة أساسية: لا توجد دولة تستطيع ضمان استحالة وقوع جريمة إرهابية بنسبة مطلقة، لكن الدولة القوية هي التي تستثمر في الوقاية، وتكشف المخاطر مبكرًا، وتستجيب بكفاءة، وتحاسب المقصر إن ثبت التقصير، وتتعلم من كل حادثة بدلًا من الاكتفاء باحتوائها.
كما أن المهنية الأمنية تقتضي حماية المواطنين جميعًا دون تمييز، وصون دور العبادة، ومواجهة الجريمة دون تعميم الاتهام على جماعة دينية أو اجتماعية، والالتزام بسيادة القانون وحقوق الإنسان.
فهيبة الدولة لا تقوم على القوة وحدها، بل على القوة المنضبطة بالقانون، وعلى ثقة المواطن بأن مؤسساته تحميه وتصون كرامته وتتعامل معه بالعدل.
وحدة الأردنيين: السور الذي لا يجوز أن ينفذ منه الإرهاب
ما الذي يريده الإرهابي حين يطلق النار على مدنيين داخل كنيسة؟
إنه لا يكتفي بقتل الضحايا، بل يسعى، إذا كان هدفه إشعال الفتنة، إلى ما هو أبعد من ذلك: أن يجعل الأردني يشك في أخيه الأردني، وأن يحول الاختلاف الديني إلى خصومة، وأن يدفع المجتمع إلى الانقسام، وأن يزرع الخوف في نفوس الناس، حتى تتحقق للجريمة آثار تتجاوز لحظة وقوعها.
وهنا يجب أن يكون الرد الوطني واضحًا وحاسمًا.
المسيحي الأردني ليس ضيفًا على الأردن، والمسلم الأردني ليس شريكًا في وطنه بحكم الغلبة أو العدد. كلاهما ابن هذا الوطن، وشريك في تاريخه ومستقبله، وحقوقهما وكرامتهما وأمنهما مصونة بالدستور والقانون.
لقد عاش الأردنيون، عبر أجيال، مسلمين ومسيحيين، في المدن والقرى والبوادي، وتقاسموا الأفراح والأحزان، ووقفوا معًا في المحن، وكان انتماؤهم الوطني أوسع من كل محاولة للتقسيم.
وهذه العلاقة ليست تفصيلًا اجتماعيًا، بل مصدر قوة للدولة، وعنصر أساسي في استقرارها، ورسالة حضارية يقدمها الأردن إلى المنطقة والعالم.
ومن هنا، فإن واجبنا اليوم ألا نسمح لأي خطاب تحريضي بأن يستثمر الجريمة في بث الكراهية، وألا نتعامل مع الشائعات بوصفها حقائق، وألا نحمّل جماعة كاملة مسؤولية أفعال مرتكبي الجريمة.
إن اليقظة الشعبية الحقيقية تظهر في ضبط الخطاب، والتثبت من المعلومات، والتعاون مع الجهات المختصة، ومساندة أسر الضحايا، والوقوف إلى جانب المصابين، ورفض كل محاولة لتحويل الدم إلى فتنة.
كما أن المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية مطالبة بأن تكون في مقدمة الجهود التي تحصن المجتمع من التطرف، وتغرس ثقافة احترام الإنسان، وتكشف خطورة خطاب الكراهية، وتمنح الشباب فرصًا حقيقية للمشاركة والعمل والإبداع.
فالإرهاب قد يستخدم السلاح للوصول إلى ضحاياه، لكنه يحتاج إلى بيئة من الكراهية والانقسام كي يوسع أثره. وإذا أغلق المجتمع هذه الأبواب، فقد حرم الإرهاب من جزء مهم من قدرته على تحقيق أهدافه.
الأمن لا ينفصل عن التنمية والعدالة والأمل
إن قراءة تجربة الأردن خلال العقود الماضية تقودنا إلى استنتاج مهم: الأمن الوطني ليس ملفًا منفصلًا عن الاقتصاد والتعليم والتنمية والعدالة الاجتماعية.
فالتنظيمات المتطرفة تستغل أحيانًا البطالة والإحباط والتهميش، وتستثمر في الجهل وضعف الوعي، وتقدم للشباب أوهامًا عن البطولة والانتماء والرسالة. ولا يعني ذلك أن الفقر يؤدي حتمًا إلى الإرهاب، أو أن كل عاطل عن العمل معرض للتطرف، بل يعني أن الدولة التي تستثمر في الإنسان، وتوسع فرصه، وتعزز ثقته بمؤسساته، تقوي مناعته أمام الاستغلال والتجنيد.
ومن هنا، فإن استدامة الأمن الأردني تحتاج إلى تكامل الجهد الأمني مع التنمية الاقتصادية، وإلى تعليم ينمي التفكير النقدي بدلًا من الاكتفاء بالتلقين، وإلى إعلام مسؤول، وخطاب ديني معتدل، ومؤسسات عامة يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية.
كما تحتاج إلى منظومة وطنية تستشرف المخاطر قبل وقوعها، وتربط المعلومات والتحليل واتخاذ القرار، وتتعامل مع التهديدات بوصفها شبكة متداخلة تشمل الأمن والسياسة والاقتصاد والمجتمع والتقنية.
فالدولة لا تحمي مستقبلها بمواجهة الأزمات بعد وقوعها فقط، بل ببناء قدرتها على توقع المخاطر وتقليل فرص تحققها.
الأردن في إقليم مشتعل: الاستقرار إنجاز يجب حمايته
لقد دفع الأردن أثمانًا كبيرة بسبب موقعه الجغرافي وسط منطقة شهدت حروبًا وصراعات وتدخلات خارجية، واستقبل موجات من اللجوء، وتحمل ضغوطًا اقتصادية وأمنية تجاوزت قدرات دول كثيرة.
وفي السنوات الأخيرة، ازدادت التحديات مع اتساع الصراعات الإقليمية، وتزايد مخاطر التهريب والجريمة المنظمة، والاضطرابات التي تهدد سلاسل الإمداد والطاقة والاقتصاد، إلى جانب الحروب التي تغذي خطاب الكراهية والتطرف.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على الاستقرار مسؤولية تتجاوز الأجهزة الأمنية، ويحتاج إلى تنسيق دائم بين المؤسسات، وإلى وعي مجتمعي، وإلى سياسة خارجية تحمي المصالح الوطنية، وإلى اقتصاد قادر على الصمود، وإلى ثقة متبادلة بين الدولة والمواطن.
إن استقرار الأردن ليس أمرًا مضمونًا بحكم الجغرافيا، ولا نتيجة تلقائية لغياب الحروب داخله، بل هو حصيلة عمل مؤسسي متواصل، وتضحيات، وقرارات، وتعاون بين القيادة ومؤسسات الدولة والمجتمع.
ومن الخطأ أن نقرأ هذا الاستقرار باعتباره سببًا للاسترخاء؛ فكل نجاح أمني يجب أن يقود إلى مزيد من التطوير والاستعداد، وكل حادثة مؤلمة يجب أن تتحول إلى فرصة لمراجعة الأداء وتعزيز الوقاية.
وهذه مسؤولية وطنية مشتركة، لا يجوز أن تتحول إلى مناسبة للمزايدة أو تبادل الاتهامات، بل ينبغي أن تكون مدخلًا إلى نقاش جاد حول ما يحتاجه الأردن لحماية أمنه وتعزيز مناعته.
من كنيسة حمود تبدأ مسؤولية جديدة
إن جريمة كنيسة حمود تستوجب العدالة للضحايا، والحزم في ملاحقة المسؤولين عنها، وكشف ملابساتها كاملة، وتعزيز الإجراءات التي تمنع تكرارها. لكنها تستوجب أيضًا أن نكون على مستوى اللحظة الوطنية، فلا نسمح للألم بأن يتحول إلى كراهية، ولا للغضب بأن يتحول إلى اتهام جماعي، ولا للجريمة بأن تحقق أهدافًا تتجاوز ضحاياها.
لقد واجه الأردن تفجيرات الفنادق، وخلايا التطرف، وأحداث إربد والبقعة والركبان، ومأساة قلعة الكرك، وجرائم تنظيم داعش، ودفع من دماء أبنائه أثمانًا موجعة. واليوم، يقف أمام جريمة جديدة تعيد التأكيد على أن مواجهة الإرهاب مسؤولية لا تنتهي بانتهاء حادثة، ولا تكتمل بمجرد القبض على مرتكبيها.
إنها مسؤولية تبدأ من حماية الإنسان، وتمر بتعزيز مهنية الأجهزة الأمنية، وتطوير أدوات الوقاية والاستشراف، ومواجهة الفكر المتطرف، وتوفير فرص الحياة الكريمة، وتنتهي بترسيخ دولة القانون والمواطنة المتساوية.
وبقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، وبجهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وبوعي الأردنيين وتماسكهم، يستطيع الأردن مواصلة حماية تجربته الوطنية، شرط أن تبقى اليقظة مستمرة، وأن تتحول الدروس إلى سياسات وإجراءات، وأن تبقى الوحدة الوطنية فوق كل اعتبار.
رحم الله شهداء كنيسة حمود، وشهداء الأردن جميعًا، ومنح ذويهم الصبر، وشفى المصابين، وحمى الأردن وأهله.
فالأردن أقوى بوحدة أبنائه، وأكثر أمنًا بمؤسساته المهنية، وأكثر مناعة بوعي شعبه، وأكثر قدرة على مواجهة المستقبل حين يجمع بين قوة الدولة وعدالة القانون وكرامة الإنسان.
هذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل من يفكر باستهداف الأردن: لن يكون دم الأردنيين جسرًا إلى الفتنة، ولن تكون دور العبادة ساحات للكراهية، ولن يسمح الأردنيون لأحد أن يختطف وطنهم أو يعبث بنسيجهم الوطني.
سيبقى الأردن وطنًا واحدًا، وشعبًا واحدًا، ودولة تحمي أبناءها، وقيادة تتحمل مسؤوليتها، ومجتمعًا يدرك أن أمنه واستقراره ووحدته ليست امتيازات عابرة، بل أمانة وطنية يجب صونها كل يوم.









