×
آخر الأخبار

الزيود يكتب : ليس دفاعًا عن الإسلام بل عن الإنسان وحدة

الزيود يكتب : ليس دفاعًا عن الإسلام بل عن الإنسان وحدة
22 الإعلامي   -

بقلم غسان الزيود/المدير التنفيذي للاكاديمية السياسية لحزب الاصلاح.

حين يتحول الدين إلى متهم، ويُعفى الإرهاب من جذوره السياسية والفكرية
ليس دفاعًا عن الإسلام أن نرفض اتهامه بالإرهاب؛ فالإسلام ليس متهمًا حتى نقف في قفص الدفاع عنه، وليس من الإنصاف أن يُطلب من نحو ملياري مسلم تقديم اعتذار جماعي عن جرائم يرتكبها أفراد وجماعات ترفع شعارات دينية أو تتستر خلف تأويلات منحرفة للنصوص.
إنما هي دعوة إلى الاحتكام إلى العقل، وقراءة التاريخ والواقع بعيدًا عن الانتقائية، وطرح السؤال الذي يتجنب البعض مواجهته: هل الإرهاب نتاج دين بعينه، أم ظاهرة معقدة تتداخل في صناعتها عوامل سياسية وفكرية واجتماعية ونفسية، وتوظيف متطرف للدين أو القومية أو الأيديولوجيا؟
تبدأ المشكلة حين تتحول الجريمة التي يرتكبها متطرف مسلم إلى إدانة للإسلام، بينما تصبح الجريمة التي يرتكبها متطرف من دين آخر حادثة فردية، أو تطرفًا سياسيًا لا علاقة له بالدين. هنا لا نكون أمام تحليل علمي، بل أمام ميزانين مختلفين للحكم على البشر.
هل صنعت كليات الشريعة الإرهاب؟
من أكثر الادعاءات التي تستحق النقاش العلمي ذلك الاتهام الذي يحمّل كليات الشريعة وعلماء الإسلام، قديمهم وحديثهم، مسؤولية صناعة الإرهاب، وكأن هذه المؤسسات لم تعرف عبر تاريخها إلا التطرف، وكأن ملايين الذين تخرجوا منها لم يعملوا في القضاء والتعليم والإفتاء والإصلاح الاجتماعي وخدمة مجتمعاتهم.
نعم، هناك حاجة دائمة إلى نقد الخطاب الديني حين ينحرف، ومراجعة الفتاوى التي تبرر قتل الأبرياء، ومواجهة التفسيرات التي تمنح العنف غطاءً مقدسًا. لكن النقد شيء، وإصدار حكم جماعي على مؤسسة علمية بأكملها شيء آخر.
والسؤال المنطقي هنا: هل درس كل إرهابي في كلية شريعة؟ وهل كل من درس الشريعة أصبح إرهابيًا؟ وهل يكفي أن يكون أحد المتهمين قد قرأ كتابًا دينيًا أو انتسب إلى جماعة ترفع شعار الإسلام لإثبات أن التعليم الشرعي هو الذي صنعه؟
إن العلاقة بين التعليم والتطرف تحتاج إلى أدلة تتناول مسارات الأفراد، ومصادر أفكارهم، وشبكات تجنيدهم، والظروف التي دفعتهم إلى العنف، لا إلى افتراضات جاهزة تبحث عن متهم يناسب الصورة النمطية.
الإرهاب ليس حكرًا على دين
يكفي أن نراجع سجل العنف السياسي في العالم لندرك أن الإرهاب لم يكن يومًا حكرًا على المسلمين، وأن الأيديولوجيات القومية والعنصرية والمتطرفة ارتكبت جرائم مروعة بحق الأبرياء، وأن بعض الجماعات وظفت هويات دينية، ومنها الهوية المسيحية، لتبرير العنف والكراهية.
في الولايات المتحدة، شهدت البلاد تفجير أوكلاهوما سيتي عام 1995، الذي نفذه تيموثي مكفاي، وأسفر عن مقتل 168 شخصًا، بينهم 19 طفلًا. وكان مكفاي متأثرًا بأفكار مناهضة للحكومة، لكن من غير الدقيق اختزال دوافعه في الدين المسيحي أو اعتباره ممثلًا له.
وفي الولايات المتحدة أيضًا، ارتبطت جماعات عنصرية متطرفة، مثل جماعة كو كلوكس كلان، بخطاب يستحضر رموزًا مسيحية لتبرير تفوق العرق الأبيض والعنف ضد السود وغيرهم. وهذا مثال على إمكانية توظيف الهوية الدينية في خدمة العنصرية، دون أن يعني ذلك تحميل المسيحية أو عموم المسيحيين مسؤولية جرائم تلك الجماعات.
وفي النرويج، ارتكب أندرس بريفيك عام 2011 مجزرة أودت بحياة 77 شخصًا، مستندًا إلى أيديولوجيا يمينية متطرفة معادية للتعددية والهجرة، ومستحضرًا خطابًا يدعي الدفاع عن الهوية الأوروبية ذات الجذور المسيحية. لكن فهم دوافعه يقتضي التمييز بين الهوية الثقافية التي استحضرها وبين الإيمان الديني بوصفه سببًا مباشرًا للجريمة.
وفي بريطانيا، يقدم الصراع المرتبط بالجيش الجمهوري الإيرلندي مثالًا على تداخل الانتماءات القومية والدينية في نزاع سياسي طويل شهد أعمال عنف وتفجيرات أوقعت ضحايا مدنيين. ولا يصح اختزال ذلك الصراع في المسيحية أو اعتبار جميع المشاركين فيه إرهابيين، لكنه يوضح أن العنف السياسي لا يمكن فهمه من خلال الدين وحده.
أما فرنسا، فقد عرفت أعمال عنف نفذتها منظمة الجيش السري الفرنسي (OAS)، التي عارضت استقلال الجزائر واستخدمت التفجيرات والاغتيالات. وهذا نموذج آخر لعنف تغذيه أيديولوجيا قومية وصراع سياسي، لا علاقة له بالإسلام بوصفه دينًا.
هذه الأمثلة ليست محاولة للمفاضلة بين الأديان، ولا لتبرئة أي جماعة من مسؤوليتها، بل لإثبات حقيقة واحدة: الجريمة تُنسب إلى مرتكبها ودوافعها المثبتة، ولا يجوز تحويلها إلى تهمة جماعية ضد أتباع دين بأكملهم.
ماذا تقول الدراسات عن تعليم الإرهابيين؟
في عام 2017، نُشرت دراسة بعنوان Does Private Islamic Schooling Promote Terrorism?، تناولت الخلفيات التعليمية لعينة من الإرهابيين المحليين في الولايات المتحدة، وخلصت إلى أن الغالبية العظمى من الحالات المدروسة، سواء من المتطرفين الإسلاميين أو اليمينيين المتطرفين، تلقت تعليمها في مدارس عامة تقليدية، لا في مدارس إسلامية خاصة.
وهذه نتيجة مهمة في مواجهة الادعاء بأن التعليم الديني الإسلامي هو المصدر الطبيعي للإرهاب.
لكن الأمانة العلمية تقتضي ألا نحول هذه الدراسة إلى نتيجة أوسع مما تحتمل؛ فهي تتناول عينة محددة في السياق الأمريكي، ولا تثبت أن جميع الإرهابيين في العالم لم يتلقوا تعليمًا دينيًا، ولا تنفي وجود أفراد متعلمين أو علماء شاركوا في تبرير التطرف.
الحجة العلمية الأقوى هي أن التعليم الشرعي ليس تفسيرًا كافيًا للإرهاب، وأن تعميم المسؤولية على كليات الشريعة وعلمائها يفتقر إلى أساس علمي ما لم تدعمه أدلة محددة.
فالتطرف ظاهرة متعددة الأسباب، وقد ينشأ في بيئات تعليمية مختلفة، ويستغل الجهل أو الشعور بالظلم أو الأزمات السياسية أو العزلة الاجتماعية أو الحاجة إلى الانتماء. ومن ثم، فإن مواجهة التطرف تتطلب فهم أسبابه الفعلية بدل الاكتفاء باتهام مؤسسة أو دين.
المسلمون أيضًا ضحايا الإرهاب
من أكثر جوانب القضية ظلمًا أن يُقدَّم المسلمون وكأنهم بيئة منتجة للإرهاب فقط، بينما تشير دراسات عديدة إلى أن المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة دفعت ثمنًا باهظًا لهجمات الجماعات المتطرفة التي ترفع شعارات إسلامية.
فدراسة مؤسسة «فونداپول» الفرنسية حول الهجمات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات إسلامية بين عامي 1979 وأبريل 2024، قدرت أن 86.3% من تلك الهجمات وقعت في دول ذات أغلبية مسلمة، وأن 88.9% من الوفيات الناتجة عنها وقعت في هذه الدول.
وهذه الأرقام تخص نطاق الدراسة وتصنيفها، ولا تمثل إحصاءً لجميع أشكال الإرهاب في العالم. لكنها تكشف حقيقة لا يجوز تجاهلها: المجتمعات المسلمة نفسها كانت من أكثر المجتمعات تضررًا من الإرهاب الذي تدعي جماعات متطرفة ارتكابه باسم الإسلام
كم من طفل مسلم فقد والده؟ وكم من أم دفنت أبناءها؟ وكم من مسجد وسوق ومدرسة وشارع تحول إلى ساحة للموت؟ وكم من إنسان مسلم قُتل لأنه رفض التطرف، أو لأنه كان مختلفًا عن الجماعة التي قررت احتكار الحقيقة؟
إن ضحايا الإرهاب من المسلمين ليسوا أرقامًا هامشية، ولا يجوز أن يغيبوا عن الصورة لمجرد أن الجريمة ارتُكبت تحت شعار ديني.
فالمسلم الذي يُقتل على يد جماعة متطرفة لا تقل قيمة دمه عن أي إنسان آخر، ولا يجوز أن يصبح انتماؤه الديني سببًا لتجاهل معاناته أو تحميله مسؤولية الجريمة التي استهدفته.
وماذا عن إسرائيل والعنف الواقع على الفلسطينيين؟
لا يكتمل النقاش حول الإرهاب إذا اقتصر على الأفراد والجماعات المسلحة، وتجاهل ما تتعرض له الشعوب من قتل وتهجير وترويع، أو أعفى الدول من المساءلة عن أفعالها.ث
وهنا تبرز القضية الفلسطينية بوصفها اختبارًا حقيقيًا لاتساق المعايير الأخلاقية والقانونية. فالفلسطيني الذي يفقد بيته، والطفل الذي يُقتل تحت القصف، والأسرة التي تُهجّر قسرًا، جميعهم بشر لهم الحق نفسه في الحياة والأمن والكرامة، بصرف النظر عن هويتهم الدينية أو القومية.
وقد أكد جلالة الملك عبد الله الثاني في مواقف متعددة أن استمرار الاحتلال وغياب الأفق السياسي العادل يفاقمان معاناة الفلسطينيين ويهددان فرص السلام والاستقرار، وأن الأمن المستدام لا يتحقق بمعزل عن إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين.
إن ما يتعرض له المدنيون الفلسطينيون من قتل وتهجير وتدمير واسع النطاق يستوجب تحقيقًا ومساءلة وفق القانون الدولي. كما أن استهداف المدنيين عمدًا، وأخذ الرهائن، والهجمات العشوائية، والعقاب الجماعي، كلها أفعال تخضع لأحكام قانونية واضحة، ولا يجوز تبريرها بهوية مرتكبها أو طبيعة الصراع.
ولا بد هنا من التمييز بين الاستخدام السياسي لكلمة «الإرهاب» وبين التصنيفات القانونية المحددة، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية؛ فكل وصف له شروطه وأدلته، لكن اختلاف التسمية لا يجوز أن يصبح وسيلة لإعفاء أي طرف من المسؤولية.
إن الدم الفلسطيني ليس أقل قيمة من الدم الأمريكي أو الأوروبي أو العربي، والعدالة التي تُطبّق على طرف وتُعطّل أمام طرف آخر تفقد معناها.
وقد دعا جلالة الملك عبد الله الثاني، في مواقفه المتعلقة بمكافحة الإرهاب، إلى عدم السماح للمتطرفين بادعاء تمثيل العرب والمسلمين، كما شدد على ضرورة معالجة جذور الصراعات سياسيًا، وعدم الاكتفاء بالمعالجات الأمنية.
وهذه رسالة ينبغي أن تُفهم في اتجاهين: لا يجوز استخدام المظالم السياسية لتبرير قتل الأبرياء، كما لا يجوز استخدام مكافحة الإرهاب ذريعة لتجاهل الاحتلال أو انتهاك حقوق الإنسان.
من إدانة التطرف إلى بناء مشروع وطني لمواجهته
لكن رفضنا لاختزال الإسلام في الإرهاب لا يكفي وحده، كما أن كشف ازدواجية المعايير لا يعفينا من مسؤوليتنا في مواجهة التطرف الفكري داخل مجتمعاتنا.
فالأمم لا تحمي أبناءها بالشعارات، ولا تواجه الأفكار المنحرفة بالصمت، وإنما تبني مناعة فكرية وأخلاقية تجعل الشباب أكثر قدرة على التمييز بين الدين الذي يدعو إلى الرحمة والعدل، والخطاب الذي يوظف الدين لتبرير الكراهية والعنف.
ومن هنا، فإن الأردن، بما يمتلكه من مؤسسات علمية ودينية وتربوية وشبابية وحزبية، يستطيع أن يقدم نموذجًا وطنيًا في مواجهة التطرف، يقوم على قاعدة واضحة:
نواجه الفكر بالفكر، والحجة بالحجة، والتعصب بالحوار، ولا نواجه الاختلاف بإلغاء الآخر أو إقصائه.
علماء الأردن في مقدمة المواجهة الفكرية
نحتاج إلى إطلاق برامج وطنية منتظمة يشارك فيها علماء شرعيون ثقات من الأردن، ممن يجمعون بين رسوخ العلم الشرعي وفهم الواقع والقدرة على مخاطبة الشباب بلغتهم.
برامج لا تكتفي بالمواعظ التقليدية، بل تناقش قضايا التكفير، وحرمة الدماء، وفقه الاختلاف، والمواطنة، والعلاقة مع أصحاب الديانات الأخرى، وكيفية فهم النصوص الشرعية في سياقاتها الصحيحة.
ويمكن تنفيذ هذه البرامج من خلال لقاءات مفتوحة في الجامعات والمدارس ومراكز الشباب والمساجد، وحوارات رقمية مباشرة، وسلاسل مرئية قصيرة، ومنصات تتيح للشباب طرح أسئلتهم الصعبة دون خوف أو تخوين.
فالشاب الذي يبحث عن إجابة لا ينبغي أن نتركه وحيدًا أمام منصات التضليل والتجنيد المتطرف، بل علينا أن نوفر له العالم الموثوق، والحجة العلمية، والمساحة الآمنة للسؤال والنقاش.
كليات الشريعة من موضع الاتهام إلى موقع المبادرة
بدلًا من التعامل مع كليات الشريعة باعتبارها متهمة بصورة مسبقة، ينبغي إشراكها في مشروع وطني لتجديد الخطاب الديني وتطوير أدواته، مع إخضاع المناهج والخطابات التي تبرر الكراهية للنقد العلمي المسؤول.
نحتاج إلى برامج مشتركة بين كليات الشريعة وكليات التربية وعلم النفس والعلوم الاجتماعية، لدراسة أسباب التطرف، وتدريب الأئمة والمعلمين والمرشدين على اكتشاف خطاب التحريض ومواجهته بالحجة والمعرفة.
كما ينبغي تعزيز تدريس مقاصد الشريعة، وحرمة النفس الإنسانية، والعدل، والرحمة، والوفاء بالعهود، واحترام الكرامة الإنسانية، وفقه التعايش مع المختلف دينيًا وفكريًا.
فالشريعة التي تجمع بين العلم والحكمة والعدل والرحمة أقدر على تحصين العقول من الغلو، من خطاب يقتطع النصوص من سياقاتها ويحولها إلى أدوات للعداء.
وزارة الأوقاف ومسؤولية بناء خطاب ديني جامع
يمكن لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية أن تقود برنامجًا وطنيًا لتأهيل الأئمة والخطباء، يتناول قضايا التطرف المعاصر، وخطاب الكراهية، والتكفير، والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين، وحقوق المواطنة، ومواجهة الشائعات والتحريض الرقمي.
ولا يكفي أن نطلب من الخطيب إدانة الإرهاب بعد وقوعه؛ بل نحتاج إلى خطاب وقائي يشرح للشباب لماذا يُعد قتل الأبرياء جريمة، وكيف يتحول التعصب إلى عنف، وكيف يختلف الاختلاف الفكري أو الديني عن العداء للآخر.
كما ينبغي إعداد مواد دينية موثوقة، وتوفير تدريب مستمر للأئمة والخطباء على مهارات الحوار والإقناع والتعامل مع أسئلة الشباب، وتقييم أثر هذه البرامج على الوعي والسلوك، بدل الاكتفاء بعدد المحاضرات والندوات.
وزارة التربية والتعليم وصناعة المناعة الفكرية المبكرة
إن مواجهة التطرف تبدأ من المدرسة، لا من السجن، ومن بناء الوعي، لا من انتظار الجريمة.
وهنا تبرز مسؤولية وزارة التربية والتعليم في تعزيز القيم النبوية والإنسانية داخل البيئة المدرسية، من خلال ممارسات تربوية حية، لا مجرد دروس نظرية أو شعارات معلقة على الجدران.
نريد طالبًا يتعلم احترام المختلف، ويعرف كيف يناقش دون إساءة، ويختلف دون أن يكفّر أو يحرّض، ويرفض التنمر والعنصرية والطائفية، ويدرك أن كرامة الإنسان لا تتوقف على دينه أو أصله أو فكره.
كما ينبغي تدريب المعلمين والمرشدين التربويين على إدارة الحوار، ومواجهة خطاب الكراهية، وتعليم التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، ومساعدة الطلبة على تفكيك المحتوى المتطرف الذي قد يصل إليهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
فالتربية على القيم ليست مادة إضافية، بل ثقافة مؤسسية تنعكس في سلوك المعلم، وإدارة المدرسة، وعلاقات الطلبة، وطريقة حل الخلافات.
وزارة الشباب والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني
لا يمكن ترك الشباب لمواجهة أسئلة الهوية والعدالة والمظلومية والتغيرات العالمية دون مساحات حقيقية للمشاركة والتعبير.
لذلك، ينبغي أن تتعاون وزارة الشباب مع الأحزاب السياسية والجامعات والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني لإطلاق منتديات للحوار، ومبادرات شبابية مشتركة، وبرامج للتطوع والعمل العام، ولقاءات تجمع الشباب من خلفيات دينية وفكرية واجتماعية مختلفة.
وعلى الأحزاب أن تجعل ثقافة الاختلاف وقبول التعددية جزءًا من برامجها التثقيفية، وأن تدرب كوادرها على الحوار السياسي المسؤول، وترفض تحويل الخلاف إلى تخوين أو تكفير أو تحريض.
أما منظمات المجتمع المدني، فيمكنها أن تؤدي دورًا مهمًا من خلال مبادرات محلية تجمع الشباب والأسر والمعلمين ورجال الدين، وتوفر أنشطة مشتركة في خدمة المجتمع؛ لأن العمل الإنساني المشترك يكسر الصور النمطية، ويجعل الناس يكتشفون إنسانية بعضهم بعضًا بالفعل لا بالشعارات.
تعزيز العلاقات الإسلامية المسيحية وقبول الآخر
من الخطأ أن نتحدث عن مواجهة التطرف دون أن نجعل قبول الآخر ممارسة يومية في المجتمع الأردني.
فالعلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الأردن ليست مجرد عنوان للاحتفالات والمناسبات الوطنية، بل رصيد اجتماعي وإنساني ينبغي حمايته وتعزيزه من خلال التعليم والحوار والعمل المشترك، واحترام دور العبادة وحرية الاعتقاد وكرامة المواطنين.
ونحتاج إلى برامج تجمع علماء الشريعة ورجال الدين المسيحيين والمعلمين والشباب، لمناقشة القيم المشتركة، وحرمة الاعتداء على الأبرياء، ورفض التحريض الديني، وأهمية المواطنة والعيش المشترك.
ولا يعني قبول الآخر التنازل عن العقيدة أو إلغاء الاختلاف، بل يعني أن نختلف دون عداء، وأن نحاور دون إهانة، وأن نحمي حقوق بعضنا بعضًا دون اشتراط التطابق في المعتقد أو الفكر.
مواجهة التطرف على المنصات الرقمية
لقد انتقل جانب مهم من معركة الأفكار إلى الفضاء الرقمي، حيث تنتشر المقاطع المبتورة، والخطابات التحريضية، والتفسيرات المتشددة، ومحتويات التجنيد التي تستغل غضب الشباب أو شعورهم بالظلم والعزلة.
ولذلك، نحتاج إلى فرق شبابية وعلمية متخصصة تنتج محتوى قصيرًا وجذابًا يشرح النصوص الشرعية في سياقها، ويفكك خطاب التكفير، ويرد على الشبهات بالحجة، ويكشف أساليب التضليل دون تهويل أو إساءة.
ويجب أن يكون هذا المحتوى بلغة الشباب، وأن يتيح لهم السؤال والنقاش، وأن يشارك في إعداده علماء موثوقون ومربون وخبراء في الإعلام الرقمي، لا أن يقتصر على إعادة نشر الخطب التقليدية في قوالب جديدة.
من المبادرات المتفرقة إلى استراتيجية وطنية قابلة للقياس
إن تعدد المؤسسات لا ينبغي أن يعني تشتت الجهود. المطلوب إطار وطني للتعاون بين الجهات المعنية، يحدد الأدوار ويوحد الأولويات ويقيس النتائج بصورة دورية، مع احترام استقلال المؤسسات واختصاصاتها.
ويمكن أن يبدأ المشروع بخطة تجريبية لمدة عام، تتضمن تدريب الأئمة والمعلمين والمرشدين الشباب، وإطلاق منصات للحوار، وإنتاج محتوى رقمي، وتنفيذ مبادرات مشتركة في المدارس والجامعات ومراكز الشباب.
ويُقاس النجاح بمدى تحسن قدرة الشباب على التمييز بين الاختلاف والتحريض، وتراجع قبول خطاب الكراهية، وارتفاع الثقة بالمصادر العلمية الموثوقة، وتحسن مهارات الحوار وحل النزاعات، لا بمجرد عدد الندوات التي عُقدت أو المنشورات التي نُشرت.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله في مواجهة التطرف هو أن نكتفي بإدانته، أو أن نترك ساحة الفكر لمن يجيدون استغلاله. وأفضل ما يمكن أن نفعله هو بناء جيل يمتلك العلم والإيمان والوعي، ويحترم وطنه والإنسان، ويعرف أن قوة الفكرة لا تحتاج إلى عنف، وأن الثقة بالعقيدة لا تستلزم العداء للمختلف.
ليس دفاعًا عن الإسلام، بل دفاع عن العقل والعدالة والإنسان
لسنا بحاجة إلى تبرير جرائم ارتكبها متطرفون مسلمون، ولا إلى إنكار أن بعض الخطابات الدينية أسهمت في شرعنة العنف. فالإقرار بالمشكلة هو أول الطريق إلى معالجتها، ومواجهة التطرف مسؤولية دينية ووطنية وإنسانية.
لكننا في الوقت نفسه لسنا مطالبين بقبول معادلة تجعل الإسلام متهمًا دائمًا، وتجعل كل كلية شريعة مصنعًا للإرهاب، وكل عالم دين مشروع متطرف، وكل مسلم مطالبًا بإثبات براءته قبل أن يُعامل بوصفه إنسانًا طبيعيًا.
إذا كان المطلوب إصلاح الخطاب الديني، فليكن ذلك بالنقد العلمي والمراجعة الفكرية والتعليم المسؤول. وإذا كان المطلوب مكافحة الإرهاب، فلتشمل المواجهة العنصرية والتطرف القومي والتعصب الديني والعنف السياسي وجرائم استهداف المدنيين، دون ازدواجية في المعايير.
وإذا كنا نريد عالمًا أكثر أمنًا، فعلينا أن نفهم أن الإرهاب لا يولد من فراغ، وأن الحروب والاحتلال والإقصاء والدعاية المتطرفة وشبكات التجنيد قد تتفاعل بطرق مختلفة، دون أن يجعل أي منها قتل الأبرياء أمرًا مشروعًا.
إن مواجهة التطرف لا تعني إقصاء الدين من الحياة العامة، كما لا تعني منح أي خطاب ديني حصانة من النقد؛ بل تعني تعزيز الفهم المسؤول للدين، وحماية المجتمع من كل فكر يبرر الاعتداء على الإنسان.
وهنا تقع المسؤولية المشتركة على علماء الشريعة، ووزارات الأوقاف والتربية والشباب، والجامعات والأحزاب، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني.
إننا لا نريد مجتمعًا متشابهًا في أفكاره، بل مجتمعًا متماسكًا في أخلاقه، متفقًا على حرمة الدماء وكرامة الإنسان وسيادة القانون وحق الجميع في الاختلاف.
ليس دفاعًا عن الإسلام، بل رفضٌ لاحتكار الحقيقة، ورفضٌ لتوزيع الاتهامات على أساس الهوية، ورفضٌ لأن تكون دماء الضحايا غالية حينًا ورخيصة حينًا آخر.
فلا الإسلام يُدان بجريمة مسلم، ولا المسيحية تُدان بجريمة مسيحي، ولا القومية تُدان بكل من رفع رايتها، ولا يجوز لأي دولة أن تضع نفسها فوق القانون.
المعيار واحد: من يقتل الأبرياء يُحاسب، ومن يبرر قتلهم يُواجَه بالحجة والقانون، ومن يتعرض للظلم تُصن حقوقه، أيًا كان دينه أو قوميته.
فالفكر لا يُهزم بالإقصاء، والتطرف لا يُعالج بالتعميم، والمجتمع الآمن لا يُبنى بالخوف من الآخر، بل بالعلم والعدل والحوار والثقة المتبادلة.
لأن المعركة الحقيقية ليست بين الأديان، بل بين العدالة والظلم، وبين العقل والتعصب، وبين كرامة الإنسان وكل أيديولوجيا تحاول تحويله إلى هدف مشروع للقتل
خالص العزاء لأهلنا الكركيين المسيحيين الذي قضوا في حادث ارهابي بشع.