×
آخر الأخبار

الأستاذ عاهد المصاروه … رجل وطني ينبض الوطن في أفعاله، ويكتب صدّقه في قلوب الناس قبل الصفحات

{title}
22 الإعلامي   -

كتب: ليث الفراية

ليست الغربة دائماً ابتعاداً عن الأرض، فبعض الرجال حين يغادرون حدود الوطن، إنما يحملونه معهم أينما حلّوا، فكرةً وسلوكاً ومسؤوليةً لا تسقط بالتقادم. فهناك رجال لا تُقاس علاقتهم بأوطانهم بالمسافة، بل بالفعل، ولا تُختبر بالخطابات، بل بالمواقف الصامتة التي لا تبحث عن تصفيق والأستاذ عاهد المصاروه واحد من هؤلاء، رجل لم تغره المسافات، ولم تُربكه الغربة، بل زادته اقتراباً من معنى الوطن الحقيقي، فهو من أولئك الذين يجعلون الانتماء ممارسة يومية لا شعاراً موسميّاً.

تكوّنت ملامح شخصيته الأولى في ميادين الانضباط والالتزام، فهو نقيب متقاعد من القوات المسلحة الأردنية، وخريج جامعة مؤتة – الجناح العسكري، حيث تُبنى الرجولة على الصبر، ويُصاغ القادة من تحت ضغط المسؤولية لا من خلف المكاتب فهناك تعلّم أن القيادة ليست أمراً يُمنح، بل سلوك يُمارس، وأن خدمة الوطن تبدأ من الإيمان به قبل الدفاع عنه، وتلك المرحلة لم تكن وظيفة في سيرته، بل حجر الأساس في وعيه وشخصيته وحين انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداً إلى ولاية ميشيغن – مدينة ديترويت، لم يكن ذلك انتقالاً بحثاً عن فرصة فقط، بل بداية فصل جديد من فصول العطاء. دخل عالم الأعمال بعقلية رجل دولة لا بعقلية تاجر عابر، فبنى اسمه بهدوء، ورسّخ حضوره بثقة، ليصبح واحداً من أبرز رجال الأعمال الأردنيين في تلك الولاية، اسماً يُحترم لأنه لم يُبنَ على المغامرة، بل على النزاهة والعمل المتراكم. فنجاحه هناك كان امتداداً لأخلاقه، لا استثناءً عنها.

غير أن النجاح الاقتصادي لم يكن يوماً هدفه الأعلى، فالرجل الذي تربّى على معنى الواجب لا يرى في المال غاية، بل وسيلة ومن هنا جاء دوره الاجتماعي الأوسع، حين تولّى رئاسة الجمعية الأردنية الأمريكية، ليحوّلها من إطار تنظيمي إلى بيتٍ جامع، ومن عنوان إداري إلى مظلة إنسانية لكل أردني وعربي في ميشيغن، فغدت الجمعية مساحة دفء لا مكتب معاملات.

وخلال هذه المرحلة، برز واحد من أكثر أدواره تأثيراً وعمقاً، حين جعل من نفسه سنداً حقيقياً لمئات الأردنيين في ولاية ميشيغن، وبالأخص القادمين الجدد، أولئك الذين يصلون محمّلين بالحلم والقلق معاً حيث لم يتعامل معهم كأرقام في جالية، بل كقصص إنسانية تحتاج من يمسك بيدها في البدايات الصعبة ففتح أبواب العمل، ودلّ على فرص الوظائف، ووجّه نحو ريادة الأعمال، وشارك خبرته، وعرّفهم بالمسارات الآمنة للاندماج الاقتصادي، حتى تحوّل كثيرون منهم من باحثين عن فرصة إلى أصحاب مشاريع، ومن غرباء عن السوق إلى عناصر فاعلة قادرة على تحقيق حلم الاغتراب الأمريكي بكرامة واستقرار حيث لم تكن هذه الجهود مبادرات عابرة، بل عملاً متواصلاً نابعاً من قناعة راسخة بأن تمكين الإنسان هو أعلى أشكال الوطنية في الغربة.

وفي رئاسته للجمعية، لم يكن قريباً من الناس بحكم الموقع، بل بحكم الطبع. فتح الأبواب، سمع الشكاوى، شارك الهموم، وتعامل مع الجميع بعين واحدة لا تعرف الفوارق فأصبح اسمه حاضراً في تفاصيل الجالية، في مناسباتها، وفي أزماتها، وفي لحظات الفرح والانكسار، دون أن يتعامل مع ذلك كمنّة أو واجب بروتوكولي، بل كأخ أكبر قبل أن يكون رئيس مؤسسة.

ولا تذكر الجالية الأردنية بكل مكوناتها غياب عاهد المصاروه عن أي مناسبة أردنية، غير أن حضوره الأثقل والأصدق كان دائماً في المناسبات الحزينة، حيث لا تُرفع الرايات ولا تُلتقط الصور حيث كان حاضراً في بيوت العزاء، وفي كل زوايا الولاية، يواسي، ويشدّ الأزر، ويشارك الناس وجعهم بصمت واحترام، دون انتظار شكر أو تقدير فهذا الحضور لم يكن مجاملة اجتماعية، بل انعكاساً لفهمه العميق لمعنى التكاتف، وإيمانه بأن الإنسان يُقاس في وقوفه مع الآخرين في لحظات الانكسار قبل الفرح، فترسّخ اسمه في الذاكرة الجمعية للجالية كعنوان للأصالة والوفاء.

الأستاذ عاهد المصاروه لا يظهر كثيراً في المشهد، لكنه حاضر في نتائجه. لا يرفع صوته، لكن أثره مسموع. يتعامل مع الجميع بتواضع القائد لا بثقة المتعالي، فصار قريباً من القلوب قبل أن يكون معروفاً في السجلات. هذه البساطة الواعية هي ما صنعت له هذا الاحترام العابر للمناصب والحدود، فالقيمة الحقيقية لا تحتاج ضجيجاً لتُرى.

وما يميّز هذه التجربة أن النجاح لم يغيّر صاحبها، بل كشف معدنه. لم تُبعده الغربة عن وطنه، بل أعادت تعريف علاقته به، وبقي الأردن حاضراً في وجدانه، وفي خياراته، وفي تفاصيل عطائه، وكأن المسافة الجغرافية تحوّلت عنده إلى جسر خدمة لا إلى حاجز انتماء فالوطن عنده فعل مستمر لا ذاكرة مؤقتة.

ختاماً، لا يمكن الحديث عن الأستاذ عاهد المصاروه بوصفه سيرة مختصرة أو إنجازاً واحداً، فنحن أمام نموذج لرجل جمع بين صلابة العسكري، وحكمة رجل الأعمال، ودفء الإنسان رجل أثبت أن الوطنية لا تُمارس من موقع، ولا تُقاس بمكان، بل تُثبت بالفعل اليومي، وبالعطاء الذي يُقدَّم بصمت ويبقى أثره حيّاً حتى دون أن يُكتب اسمه في العناوين. وهكذا يُخلَّد الرجال "بما يزرعون لا بما يقولون" .