×
آخر الأخبار

حتاملة تكتب : ADHD ليس “ترنداً” .. قراءة علمية في اضطراب نقص الانتباه والنشاط الزائد

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : الباحثة سلام حتامله

في السنوات الأخيرة، ازداد الحديث بشكل ملحوظ عن اضطراب نقص الانتباه والنشاط الزائد، المعروف اختصاراً بـ ADHD، حتى أصبح البعض ينظر إليه باعتباره “ترنداً” أو ظاهرة اجتماعية مؤقتة فرضتها منصات التواصل الاجتماعي والتداول الإعلامي المكثف. إلا أن هذا التصور يفتقر إلى الدقة العلمية؛ فاضطراب ADHD ليس مفهوماً مستحدثاً أو حالة عابرة ظهرت بفعل العصر الرقمي، بل هو اضطراب عصبي نمائي موثق منذ عقود طويلة في الأدبيات النفسية والطبية، وتدعمه أبحاث واسعة في مجالات علم الأعصاب، والطب النفسي، وعلم النفس التربوي.

ويُعرَّف اضطراب نقص الانتباه والنشاط الزائد بأنه اضطراب يؤثر في العمليات التنفيذية للدماغ، ويظهر بصورة أساسية من خلال صعوبات مستمرة في الانتباه والتركيز، وفرط النشاط الحركي، والاندفاعية بدرجات متفاوتة. وغالباً ما تبدأ أعراضه في مرحلة الطفولة المبكرة، وقد تستمر إلى مرحلة المراهقة أو الرشد، مؤثرةً في الأداء الأكاديمي والاجتماعي والانفعالي للفرد.

إن الارتفاع الملحوظ في معدلات الحديث عن الاضطراب لا يعني بالضرورة زيادة حقيقية ومفاجئة في انتشاره، بل يرتبط بعدة عوامل؛ من أبرزها تنامي الوعي المجتمعي بالصحة النفسية، وتطور أدوات التشخيص وأساليبه، وازدياد اهتمام المؤسسات التعليمية والأسر بملاحظة الصعوبات السلوكية والمعرفية لدى الأطفال. كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مزدوجاً؛ إذ ساهمت من جهة في نشر المعرفة وتقليل الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية، لكنها من جهة أخرى أدت أحياناً إلى تبسيط المفهوم العلمي للاضطراب واختزاله في مجموعة من السلوكيات اليومية الشائعة، مثل التشتت المؤقت أو كثرة الحركة الطبيعية.

ومن المهم التأكيد على أن الشعور العابر بعدم التركيز، أو الميل إلى الحركة الزائدة، أو ضعف التنظيم أحياناً، لا يعني بالضرورة الإصابة باضطراب ADHD. فالتشخيص العلمي لا يعتمد على ملاحظة عرض واحد أو مجموعة سلوكيات سطحية، وإنما يستند إلى تقييم إكلينيكي شامل يقوم به مختصون مؤهلون، ويتضمن دراسة التاريخ النمائي والسلوكي للفرد، وتحليل شدة الأعراض واستمراريتها، ومدى تأثيرها في الحياة اليومية.

كما تشترط المعايير التشخيصية الحديثة أن تكون الأعراض مستمرة لفترة زمنية محددة، وأن تظهر في أكثر من بيئة، مثل المنزل والمدرسة أو العمل، وأن تؤدي إلى ضعف واضح في الأداء الأكاديمي أو الاجتماعي أو الوظيفي. وهذا ما يميز الاضطراب عن التشتت الطبيعي أو الضغوط النفسية المؤقتة التي قد يمر بها أي شخص في مراحل مختلفة من حياته.

ومن القضايا المهمة المرتبطة بانتشار الحديث عن ADHD، الخلط بين “الوعي” و”المبالغة”. فزيادة المعرفة المجتمعية بالاضطراب تُعد خطوة إيجابية تسهم في الاكتشاف المبكر وتقديم الدعم المناسب للأطفال والبالغين الذين يعانون فعلياً من هذه الصعوبات. إلا أن المشكلة تظهر عندما يتحول المحتوى غير المتخصص إلى مصدر للتشخيص الذاتي، أو عندما يُستخدم المصطلح بصورة فضفاضة لوصف أي صعوبة دراسية أو سلوكية، الأمر الذي قد يؤدي إلى التقليل من خطورة الاضطراب الحقيقي، أو إلى نشر مفاهيم خاطئة حوله.

وعلى المستوى العلمي، تشير الدراسات الحديثة إلى أن اضطراب ADHD يرتبط بعوامل متعددة ومتداخلة، تشمل الجوانب الوراثية والعصبية والبيئية. وقد أظهرت الأبحاث وجود اختلافات في بعض وظائف الدماغ المرتبطة بالانتباه والتنظيم التنفيذي وضبط السلوك، إضافة إلى وجود دور للعوامل الوراثية في زيادة احتمالية الإصابة. وهذا يؤكد أن الاضطراب ليس نتيجة “ضعف تربية” أو “قلة انضباط” كما يُعتقد أحياناً، بل حالة نمائية تحتاج إلى فهم علمي ودعم تربوي ونفسي مناسب.

ومن هنا، فإن التعامل مع اضطراب نقص الانتباه والنشاط الزائد يتطلب قدراً من التوازن والوعي؛ فلا ينبغي إنكار وجوده أو التقليل من تأثيره بحجة أنه “موضة”، كما لا ينبغي أيضاً التوسع غير المنضبط في استخدام المصطلح أو تشخيصه دون أسس علمية واضحة. إن الفهم الدقيق للاضطراب يساعد على تقديم الدعم المناسب للمصابين به، ويُسهم في بناء بيئات تعليمية واجتماعية أكثر استيعاباً لاحتياجاتهم، بعيداً عن الوصمة أو التهويل.

وفي النهاية، يبقى ADHD اضطراباً نفسياً وعصبياً حقيقياً، لا “ترنداً” عابراً. أما ازدياد الحديث عنه، فهو في جوهره انعكاس لتطور الوعي المجتمعي بالصحة النفسية، وازدياد الاهتمام بالكشف المبكر والتدخل الفعّال، وهي مؤشرات إيجابية إذا ما اقترنت بالمعرفة العلمية الدقيقة والمسؤولية المهنية.