×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : الدكتور محمد بزبز

د. بزبز يكتب : 27 عامًا ... وتستمر المسيرة

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم: الدكتور محمد يوسف حسن بزبز / سفير جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي

في التاسع من حزيران من كل عام، لا يستحضر الأردنيون ذكرى وطنية عابرة، بل يستعيدون محطةً تاريخيةً شكّلت نقطة تحول في مسيرة الدولة الأردنية الحديثة، حين تسلّم جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم سلطاته الدستورية، ليبدأ عهدًا جديدًا من العمل والبناء والتحديث، مستندًا إلى إرث هاشمي عريق، ورؤية مستقبلية جعلت من الإنسان الأردني محور التنمية وغايتها.

سبعة وعشرون عامًا من الجلوس الملكي ليست مجرد أرقام تُضاف إلى سجل الزمن، بل هي سنوات حافلة بالإنجازات والتحولات الكبرى التي رسخت مكانة الأردن دولةً قويةً مستقرةً في محيط إقليمي مضطرب، وأكدت قدرة القيادة الهاشمية على تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى مسارات جديدة للنهوض والتقدم.

وعندما نتأمل المشهد الأردني خلال العقود الثلاثة الماضية، نجد أن جلالة الملك عبدالله الثاني قاد مشروعًا وطنيًا متكاملًا قائمًا على ثلاثة مرتكزات رئيسة: بناء الإنسان، وتعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ دولة القانون. وهي مرتكزات لم تكن شعارات نظرية، بل تجسدت في سياسات وبرامج ومبادرات أحدثت أثرًا ملموسًا في مختلف القطاعات.

ففي المجال السياسي، قاد جلالته مسيرة تحديث شاملة تهدف إلى تعزيز المشاركة السياسية وتوسيع قاعدة التمثيل الشعبي، وترسيخ النهج الديمقراطي، بما يضمن استدامة الحياة الحزبية والبرلمانية، ويعزز حضور الشباب والمرأة في صناعة القرار، إيمانًا بأن مستقبل الدول يُبنى بمشاركة جميع أبنائها.

أما اقتصاديًا، فقد واجه الأردن تحديات استثنائية فرضتها الظروف الإقليمية والعالمية، من أزمات الطاقة واللجوء إلى تداعيات جائحة كورونا والأزمات الدولية المتلاحقة، إلا أن الدولة الأردنية بقيادة جلالته استطاعت الحفاظ على استقرارها المالي ومواصلة تنفيذ المشاريع الاستراتيجية التي تعزز النمو وتوفر فرص العمل وتحافظ على مكتسبات الوطن.

وفي المجال الاجتماعي، ظل الإنسان الأردني في قلب الاهتمام الملكي، حيث ركزت الرؤية الملكية على تحسين جودة الحياة، وتطوير الخدمات الصحية والاجتماعية، وتمكين الفئات الأكثر احتياجًا، وتعزيز العدالة الاجتماعية، بما يضمن بناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات بروح التضامن والمسؤولية الوطنية.

ولعل قطاع التعليم كان من أبرز القطاعات التي حظيت برعاية ملكية خاصة، انطلاقًا من القناعة الراسخة بأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في العقول. فقد شهد التعليم الأردني تطورات نوعية في المناهج والبنية التحتية والتكنولوجيا التعليمية وبرامج إعداد المعلمين، إلى جانب دعم التميز والإبداع والابتكار، الأمر الذي أسهم في المحافظة على المكانة الريادية للتعليم الأردني عربيًا وإقليميًا.

ومن هنا برزت مبادرات وطنية رائدة حملت رؤية جلالة الملك وجلالة الملكة رانيا العبدالله في الارتقاء بالميدان التربوي، وإيجاد بيئة تعليمية محفزة للإبداع والتميز، وترسيخ ثقافة الجودة والتطوير المستمر، باعتبارها أساسًا لبناء أجيال قادرة على قيادة المستقبل بثقة واقتدار.

وعلى الصعيد الدولي، استطاع الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني أن يرسخ حضوره بوصفه صوتًا للحكمة والاعتدال والسلام. فقد حمل جلالته رسالة الأردن إلى مختلف المحافل الدولية، مدافعًا عن القضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ومؤكدًا الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، ومطالبًا على الدوام بتحقيق السلام العادل والشامل الذي يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

إن ما يميز التجربة الأردنية خلال سبعة وعشرين عامًا هو قدرتها على الجمع بين الثبات والتجديد؛ الثبات على المبادئ الوطنية والقيم الهاشمية الراسخة، والتجديد في الأدوات والسياسات والرؤى التي تستجيب لمتطلبات العصر وتحديات المستقبل. فالدول العظيمة لا تقاس بحجم مواردها فحسب، بل بقدرتها على استثمار إمكاناتها البشرية وصناعة الأمل في نفوس أبنائها، وهذا ما نجح الأردن في تحقيقه بقيادته الهاشمية الحكيمة.

وفي عيد الجلوس الملكي السابع والعشرين، يقف الأردنيون بفخر واعتزاز أمام منجزات وطنهم، وهم يدركون أن المسيرة لم تكن سهلة، وأن ما تحقق كان ثمرة رؤية واضحة وعمل دؤوب وإرادة لا تعرف المستحيل. كما يدركون أن المستقبل يحمل فرصًا أكبر تتطلب مزيدًا من العمل والإبداع والانتماء والمسؤولية.

سبعة وعشرون عامًا مضت، والأردن يمضي بثقة نحو المستقبل، مستندًا إلى قيادة حكيمة، وجيش عربي مصطفوي باسل، وأجهزة أمنية يقظة، وشعب وفيّ مؤمن بوطنه ورسالة دولته.

وفي هذه المناسبة الوطنية الغالية، نجدد العهد والولاء للقيادة الهاشمية المظفرة، ونؤكد أن الأردن سيبقى، بإذن الله، وطن الإنجاز والكرامة والاعتدال، وأن مسيرة البناء التي بدأت قبل سبعة وعشرين عامًا ستظل مستمرة، أكثر قوةً ورسوخًا وعطاءً.

حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والازدهار.

سبعة وعشرون عامًا... وتستمر المسيرة، ويستمر الأردن قصة نجاح تُكتب بإرادة الهاشميين وعزيمة الأردنيين.