×
آخر الأخبار

البطوش يكتب : من خلف الشاشة تبدأ الجريمة

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : ماهر البطوش

لم تعد السرقة في عصرنا الحديث بحاجة إلى كسر باب أو اقتحام منزل، ولم يعد المحتال مضطراً إلى مواجهة ضحيته وجهاً لوجه. فاليوم قد تُرتكب الجريمة بهدوء خلف شاشة هاتف، أو عبر رسالة نصية، أو رابط إلكتروني، أو مكالمة لا تستغرق سوى دقائق، لكنها قد تُبدد مدخرات سنوات، وتكشف خصوصية الإنسان، وتزرع في نفسه الخوف والقلق وفقدان الثقة. إنها جرائم صامتة في تنفيذها، لكنها قاسية في آثارها، لأنها لا تستهدف المال فقط، بل تستهدف الأمن الشخصي والثقة التي أصبحت أساس الحياة الرقمية.

ومع الانتشار الواسع للهواتف الذكية، والخدمات البنكية الإلكترونية، والمحافظ الرقمية، ووسائل الدفع الإلكتروني، اتسعت في المقابل مساحة الجريمة الإلكترونية. فأصبح المجرم قادراً على سرقة بيانات البطاقات البنكية، واختراق الحسابات الإلكترونية، والاستيلاء على البريد الإلكتروني، أو إرسال روابط ورسائل مزيفة تبدو وكأنها صادرة عن بنك أو مؤسسة رسمية، فيقع الضحية في الفخ دون أن يشعر. والأخطر من ذلك أن الكثير من هذه الجرائم لا تعتمد على اختراق الأنظمة بقدر اعتمادها على اختراق وعي الإنسان، واستغلال ثقته أو خوفه أو استعجاله.

ولقد أدرك المشرّع الأردني مبكراً خطورة هذه الجرائم، فأصدر قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 ليؤكد أن الفضاء الرقمي ليس مساحة خارج سيادة القانون، وأن الأموال والبيانات الإلكترونية تتمتع بالحماية القانونية ذاتها التي تتمتع بها الأموال التقليدية. فجاءت المادة (8) لتجرم الحصول دون تصريح على بيانات وسائل الدفع الإلكتروني أو البيانات المتعلقة بالمعاملات المالية والمصرفية الإلكترونية أو استخدامها أو نشرها، وشددت العقوبة إذا استُخدمت هذه البيانات للاستيلاء على أموال الغير، لتصل إلى الحبس ثلاث سنوات وغرامة تتراوح بين (10,000) آلاف دينار و(20,000) ألف دينار دينار عند تحقق النتيجة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل شددت المادة (9) من القانون نفسه العقوبة إلى الأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن خمس سنوات وغرامة من (25,000) ألف دينار إلى (75,000) ألف دينار إذا استهدفت الجريمة الأنظمة المتعلقة بتحويل الأموال أو خدمات الدفع أو الخدمات المصرفية المقدمة من البنوك والشركات المالية، في رسالة تشريعية واضحة مفادها أن الاعتداء على القطاع المالي هو اعتداء على الثقة العامة والاقتصاد الوطني.

أما المحتال الذي يتصل بالضحية مدعياً أنه موظف بنك، أو يرسل رسالة مزيفة يطلب فيها تحديث البيانات أو مشاركة رمز التحقق، فقد واجهه المشرّع بنص صريح في المادة (10) من القانون نفسه، التي عاقبت كل من استولى على مال الغير باستخدام وسائل احتيالية أو اسم كاذب أو انتحال صفة عبر الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات، بعقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة من (5,000) آلاف دينار إلى (25,000) ألف دينار دينار، كما جرّمت حتى الشروع في هذه الجريمة.

وفي كثير من الحالات لا تتوقف الجريمة عند حدود سرقة المال، بل تتحول إلى ابتزاز إلكتروني بعد الاستيلاء على الحسابات أو الصور أو المحادثات الخاصة، فيهدد الجاني ضحيته بالنشر أو التشهير للحصول على المال أو إجبارها على القيام بتصرف معين. وقد عالجت المادة (18) من القانون ذاته هذا السلوك، وشددت العقوبة إلى الأشغال المؤقتة إذا كان التهديد متعلقاً بالشرف أو الاعتبار ومصحوباً بطلب أو منفعة غير مشروعة.

ورغم صرامة النصوص القانونية، فإن القانون يأتي غالباً بعد وقوع الضرر، أما الوعي فيمنع وقوعه من الأصل. فلا يوجد بنك يطلب من عميله عبر الهاتف أو الرسائل النصية الإفصاح عن الرقم السري أو رمز التحقق (OTP) أو بيانات البطاقة البنكية. كما أن الرسائل التي تحمل عبارات مثل "سيتم إيقاف حسابك" أو "حدث بياناتك فوراً" أو "لقد ربحت جائزة" ليست سوى وسائل احتيالية تستهدف استعجال الضحية وسلب قدرتها على التفكير.

ولذلك فإن عدم مشاركة كلمات المرور أو رموز التحقق، وتجنب الضغط على الروابط مجهولة المصدر، وتفعيل المصادقة الثنائية، ومراقبة الحسابات البنكية بصورة مستمرة، لم تعد مجرد نصائح تقنية، بل أصبحت واجباً لحماية المال والخصوصية والأسرة.

وإذا وقع الشخص ضحية لهذه الجرائم، فإن سرعة التصرف تُعد عاملاً حاسماً؛ وذلك بإيقاف البطاقة أو الحساب البنكي فوراً، والاحتفاظ بجميع الرسائل والروابط وسجلات التحويلات، ثم التقدم بشكوى إلى الجهات المختصة، لأن المادة (36) من قانون الجرائم الإلكترونية منحت الأدلة الرقمية حجية كاملة في الإثبات أمام القضاء، وهو ما يجعل كل رسالة أو صورة شاشة أو عنوان إلكتروني دليلاً قد يقود إلى الجاني ويُسهم في استرداد الحقوق.

إن أخطر ما في الجرائم الإلكترونية أنها لا تُسمع لها أصوات، ولا تترك أبواباً مكسورة، لكنها قد تُسقط إنسان في لحظة غفلة. ولذلك فإن حماية أنفسنا تبدأ من وعينا قبل أجهزتنا، ومن حذرنا قبل ثقتنا بالآخرين. فالقانون وضع العقوبات لحماية المجتمع، لكن أفضل القضايا هي تلك التي لا تقع أصلاً، وأغلى الأموال هي التي يحميها أصحابها قبل أن يحميها القضاء.