×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : الدكتور محمد رحامنه

رحامنه يكتب : نحو تحديد مدة لتنفيذ الحكم بالإعدام

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : د. محمد رحامنه/ الجامعة الأردنية

تناقلت وسائل الإعلام مؤخرًا أن الجهات المعنية نفذت حكم الإعدام بحق مجموعة من الأشخاص المحكوم عليهم بتلك العقوبة، ووفقًا لمعالي وزير الاتصال الحكومي فإن: "ما يزيد عن (100) محكوم بالإعدام موجودين في السجون"، في حين أن العدد يقارب (250) محكوم عليه بتلك العقوبة وفق ما صرح به سعادة العين عمار القضاة للإعلام.

إن المشرع لم يكتف باشتراط أن يصبح الحكم قطعيًا حتى يتم تنفيذ العقوبة، بل إنه أحاط تنفيذ تلك العقوبة بضمانة مهمة، وهي موافقة جلالة الملك على مسألة التنفيذ، فكل حكم بالإعدام يكتسب الدرجة القطعية يتوجب على مجلس الوزراء أن يعرضه على جلالة الملك مشفوعًا ببيان رأيه في مسألة التنفيذ (المادة 39 من الدستور، والمادة 357 من قانون أصول المحاكمات الجزائية).

إن جلالة الملك له الموافقة على التنفيذ أو رفض التنفيذ، وفي ذلك تمكين لجلالته من ممارسة صلاحية أخرى، وهي العفو الخاص؛ فيستطيع جلالته تخفيض العقوبة أو الإعفاء منها بشكل كلي، فقد يكون من الأنسب عدم تنفيذ العقوبة، أو إبدالها بغيرها (المادة 38 من الدستور).

إلا أن ما يلاحظ في هذا الشأن أن المشرع لم يحدد مدة بين الحكم القطعي وبين حسم مسألة التنفيذ، وأن الواقع العملي يشير إلى عدم نشر الإرادة الملكية المتضمنة الموافقة على تنفيذ حكم الإعدام في الجريدة الرسمية، وقد تكون هذه أهم الأسباب التي تجعل ملف تنفيذ هذه العقوبة في الأردن محاطًا بالغموض؛ ففيما يتعلق بأحكام الإعدام التي تم تنفيذها مؤخرًا فإن بعضًا منهم قد اكتسب الدرجة القطعية منذ سنوات.

إن المشرع حينما فرض عقوبة الإعدام فإنه فرضها لمعاقبة الأشخاص الذين يرتكبون الجرائم "الأشد خطورة"؛ مثل القتل مع سبق الإصرار، أو اغتصاب طفلة لم تتم الـ (15) من عمرها، أو المؤامرة بقصد ارتكاب أعمال إرهابية وينجم عنها وفاة إنسان، أو التحريض على العصيان المسلح، أو جريمة تغيير الدستور بطرق غير مشروعة، وفي كل تلك الجرائم تبرز الخطورة الإجرامية للمجرمين على النحو الذي يتعذر إصلاحهم؛ ففرض المشرع عقوبة الإعدام لمواجهتهم (المواد: 328، 292، 148، 137، 136 من قانون العقوبات).

على الرغم مما تقدم، فإن الحكم القضائي القطعي يتضمن عقوبة الإعدام، وعليه، فإنه من غير المنطقي انتظار تنفيذ العقوبة لسنوات، فيكون المحكوم عليه قد قضى فعليًا عقوبة إضافية، وهي الاعتقال/ الحبس قبل تنفيذ العقوبة بحقه، وهو ما لم يتضمنه الحكم القضائي.

كما أن تكلفة إبقاء المحكوم عليهم بالإعدام داخل مراكز الإصلاح والتأهيل تعد تكلفة مرتفعة؛ فالمشرع أوجب عزل المحكوم عليه بالإعدام عن سائر النزلاء، وجعله خاضعًا للرقابة المستمرة ليل نهار (المادة 17 من قانون مراكز الإصلاح والتأهيل). ولعل هذا التنظيم يعد إدراكًا لخطورة هذا المحكوم عليه على من هم حوله، وخشية انتحاره أو هربه على النحو الذي يحول دون تنفيذ العقوبة.

كما أن عدم تحديد مدة بين الحكم والتنفيذ يؤدي إلى عدم وضوح المركز القانوني للمحكوم عليه بالإعدام الذي ينتظر تنفيذ الحكم؛ فهل يسمح له بالزيارات أسوة بباقي المحكوم عليهم نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل؟ وهل من المتصور أن يحصل على الحق في الخلوة الشرعية؟ وهل من المتصور السماح له بحضور الجنازة عند وفاة أحد أقاربه من الدرجة المعينة بالقانون؟

إن الحكومة وهي عازمة على التوسع في فرض عقوبة الإعدام من خلال مشروع قانون معدل لقانون العقوبات؛ لضمان مواجهة الجرائم الأشد خطورة، فإنني أضع مقالي هذا بين يدي الحكومة والجهات ذات العلاقة للفت انتباهها إلى أثر خلو التشريع من تحديد المدة الفاصلة بين الحكم القطعي وتنفيذه في مجال العدالة وحقوق الإنسان، علمًا بأنه سبق أن تم إعداد دراسة متخصصة حول هذه المسألة في عام 2014 بعنوان: "ضمانات عقوبة الإعدام وإشكاليات عدم تنفيذها في الأردن".

وسواء كان عدد من ينتظر تنفيذ العقوبة (100) أو (250) فإن هذا العدد مستمر بالزيادة ما دامت تلك المدة غير محددة في التشريع.

وعليه؛ فإنه قد يكون من الأنسب تنظيم المدة الفاصلة بين الحكم القطعي وتنفيذ عقوبة الإعدام، وإن هذا المقترح من شأنه تحقيق العديد من النتائج؛ أهمها:

  • تعزيز الشعور بالعدالة، فما فائدة حكم يوجب الإعدام إذا تأخر تنفيذه؟ أو إذا لم تكن الفترة التي سينفذ خلالها معلومة.
  • تحقيق الردع العام، فقد ساد اعتقاد في بعض الأوقات بأن الدولة لا تفضل تنفيذ أحكام الإعدام، أو أنها تنفذها فقط إذا كان الجرم يشغل الرأي العام.
  • تقليل التكلفة على مراكز الإصلاح والتأهيل؛ تلك المراكز التي تحتجز هؤلاء الأشخاص طوال الفترة التي تسبق التنفيذ.
  • ضمان تنفيذ الحكم القضائي دون زيادة، فالمحكوم عليه بالإعدام سينفذ فيه الحكم دون أن ينتظر سنوات قبل التنفيذ، فيكون الانتظار بمثابة عقوبة إضافية بحقه تتعارض مع الحكم القضائي القطعي الذي يعد عنوان الحقيقة، فهو وإن ارتكب جريمة تتصف بأنها من الجرائم الأشد خطورة إلا أن من حقه أن يعاقب العقوبة التي حكم بها القضاء، لا أن يضاف إليها سنوات من الانتظار؛ يكون فيها كل يوم على موعد مع "احتمالية" التنفيذ.