×
آخر الأخبار

"فوج الهواشم" عندما أصبح الفرحُ لوحةً في سماء الجامعة الأردنيّة .. صور

{title}
22 الإعلامي   -

سناء الصّمادي- لم يكن اليومُ الأخيرُ من احتفالات تخريج الفوج الحادي والسّتّين "فوج الهواشم" يومًا عاديًّا في الجامعة الأردنيّة؛ كان مشهدًا يليق بفرحةٍ انتظرَتها آلافُ القلوب طويلًا.

في السّماء، أضواءٌ وألعابٌ ناريّةٌ ودرونات ترسمُ الصّور والكلمات، وعلى الأرض، رداءٌ أسوَد  وقبّعاتٌ وأعلامٌ ترفرف، ودموعٌ تختلط بالضّحكات، وبين السّماء والأرض، كانت الجامعة ترسُم واحدةً من أكثر لوحات التّخريج بهجةً واحتفاءً في تاريخها.

منذ اللّحظة الأولى، بدا أنّ للختام حكايةً مختلِفةً، الجامعة التي اعتادت أن ترى طلبتها يخْطون خطواتهم الأولى في ميادين العِلم، وقفَت في ذلك اليوم لتشهد خطوتَهم الأكبر؛ لحظةَ مغادرة مقاعد الدّراسة إلى فضاءٍ أوسع، حاملين معهم شهاداتهم وذكرياتهم ووجوهًا لن تَنسى السّنوات التي صنعت جزءًا من حكاياتهم.

كان "فوج الهواشم" في قلب المشهد؛ خرّيجون ارتدَوا رداء التّخرّج، وأُسرٌ جاءت لتتقاسم معهم فرحة الوصول، وأصدقاء حرَصوا على ألّا تُفلت من هواتفهم لحظةٌ واحدةٌ من يومٍ يعرفون أنّه لن يتكرّر.

في السّاحات، كانت التّفاصيل الصّغيرة تصنع المشهد الكبير؛ أبٌ يبحث عن ابنه بين الخرّيجين، أمٌّ ترفع هاتفها لتلتقط صورةً لابنتها وهي تبتسم، أصدقاء يتعانقون بعد سنوات الدّراسة، وخرّيجون يلوّحون بأيديهم وأعلامِهم، وكأنّ كلّ واحدٍ منهم يريد أن يقول للجامعة قبل الرّحيل: سنترك المكان، لكنّنا لن نترك ذكراه وأثرَه.

ثمّ كانت السّماء على موعدٍ مع الحكاية، مئات طائرات الدّرون شقَّت سماء ميدان التّخريج في عرضٍ بصريٍّ غير مسبوق، لتتحوّل السّماء نفسُها إلى شاشةٍ واسعةٍ، تتبدّل عليها الصّور والكلمات، وتروي حكاية الفوج الحادي والسّتّين بلُغة الضّوء.

من الأعلى، تشكّلت صورة جلالة الملك عبدالله الثّاني ابن الحسين، وصورة سُمُوِّ الأمير الحسين بن عبدالله الثّاني، وليّ العهد، في مشهدٍ بدا وكأنّ القيادة الهاشميّة تشارك أبناء "فوج الهواشم" فرحتَهم، وتطلّ عليهم من السّماء في لحظةٍ وطنيّةٍ امتزج فيها التّخرّج بالانتماء.

ولم تتوقّف الحكاية عند الصّور؛ فقد كتبَت الدّرونات في السّماء كلماتِ جلالة الملك عبدالله الثّاني: "هذه أمانتُكم رُدّت إليكم.. شموعًا مضيئة"، لتظلّ الرّسالة مضيئةً فوق رؤوس الخرّيجين، وكأنّها تختصر الطّريق الذي يبدأ من هذه اللّحظة، طريقٌ فيه أمانةُ العِلم، ومسؤوليّةُ المستقبل، من أجلِ وطنٍ ينتظر من أبنائه أن يكونوا كما أراد لهم قائدُهم؛ شموعًا مضيئةً في طريقه.

وفي مشهدٍ آخر، ظهر شعار إذاعة الجامعة الأردنيّة في السّماء، لتكتمل تفاصيل لوحةٍ لم تكن مجرّد عرضٍ ضوئيّ، وإنّما روايةً بصريّةً لفرح الجامعة وخرّيجيها؛ سماءٌ تكتب، ودرونات ترسم، وأضواءٌ تحمل الرّسالة، وفوجٌ اكتمل حُلمه.

كانت عدسات الدّرون تلتقط من الأعلى ما لا تستطيع عينٌ واحدةٌ أن تجمعه؛ صفوف الخرّيجين، تجمّعات الأهل، حركة الأعلام، الأضواء، المدرَّجات، ومئات التّفاصيل التي بدت من السّماء كأنّها لوحةٌ فنّيّةٌ واحدةٌ تنبض بالحياة.

لكنّ للفرح على الأرض حكايتَه أيضًا، هناك، كانت أَرديةُ الخرّيجين تتحرّك بين الحشود كأنّها أمواجٌ سوداءُ تتوسّطها ابتساماتٌ لا تنتهي، فيما كانت الكاميرات والهواتف توثّق آخر الصّور قبل أن يصبح هذا اليوم ذكرى.

وكلّ زاويةٍ كانت تحمل حكايةً، خرّيجٌ يحتضن والده، وآخر يقبّل يد أمّه، وصديقةٌ تَعِدُ صديقتَها بأن تبقى سنوات الجامعة حاضرةً في العمر مهما ابتعدت الطّرق، وأهلٌ يقفون خلف أبنائهم وهم يراقبون اللّحظة التي حلموا بها معهم منذ اليوم الأوّل.

ومع اقتراب اللّحظة المنتظَرة، ارتفع صوت الفرح، هتافاتٌ، وتصفيقٌ، وموسيقى، وأعلامٌ، ووجوهٌ تلمع بالدّموع والابتسامات، ثمّ جاءت اللّحظة التي لا تحتاج إلى كثيرٍ من الكلام، "فوج الهواشم"، لم يكن الفرح لحظةً واحدةً؛ كانت التّفاصيل تتلاحق بلا توقُّف، صورةٌ مع الأب، ودمعةٌ في عين الأمّ، وعناقٌ بين الأصدقاء، وقبّعةٌ في السّماء، وعلَمٌ يرفرف، ودرون يكتب، وألعابٌ ناريّةٌ تضيء، وصوت هتافٍ يعلو فوق كلّ شيء.


وفي اللّحظة نفسِها، بدت السّنوات الطّويلة التي اجتازها الطّلبة الخرّيجون وكأنّها اختُصِرت في ثانيةٍ واحدةٍ؛ سنوات المحاضرات والامتحانات والقلق والنّجاح، وكلّ ما بين البداية والنّهاية، ارتفع مع الأفراح إلى السّماء.

وبينما كانت السّماء تحتفظ بصورتها المضيئة، جاءت الألعاب الناريّة لتكتب فصلًا آخر من الحكاية، ألوانٌ  في السّماء، وأضواءٌ تتعاقب، وصيحاتُ فرحٍ ترتفع من المدرّجات والسّاحات، وعدسات الهواتف تتسابق لالتقاط اللّحظة، لم يعد أحدٌ يعرف أين ينتهي الاحتفال وأين تبدأ الصّورة؛ فالجامعة بأكملها كانت تبدو في تلك اللّحظات كأنّها صورةٌ مطرَّزةٌ بألوان الفرح، ولم تكن الألعاب الناريّة مجرّد خاتمةٍ للاحتفال، بل كانت علامةً تعلن أنّ سنواتٍ من الانتظار وصلت إلى لحظتها الأخيرة، وأنّ بابًا جديدًا قد فُتِح أمام الخرّيجين.

لم تكن الجامعة الأردنيّة تودّع أبناءها بصَمت، بل كانت تقول لهم، بكلّ ما في المشهد من ضوءٍ وصوتٍ وفرحٍ: هذه لحظتكم... اذهبوا بها إلى العالم وشُقّوا طريقكم واحملوا وطنكم معكم أينما ذهبتم.


ولعلّ أجمل ما في التّخرّج أنّ الجامعة لا تمنح أبناءها شهادةً فحسب؛ بل تمنحهم مكانًا يعودون إليه كلّما أرادوا أن يتذكّروا من كانوا، وكيف بدأوا، ومن كانوا معهم في الطّريق، وستبقى صورة هذا اليوم في ذاكرة "فوج الهواشم" ممتدّةً مثل سنوات الدّراسة؛ صورة الجامعة من الأعلى، والدّرونات في السّماء، والألعاب الناريّة في الختام، والأهل وهم يصفّقون، والخرّيجون وهم يكتبون بأجسادهم وابتساماتهم آخر سطرٍ في فصلٍ جامعيٍّ جميلٍ.

لكنّ الحكاية، في الحقيقة، لم تنتهِ، فحين أَغلقت الجامعة الأردنيّة أبوابَ الاحتفال على آخر مشهدٍ من "فوج الهواشم"، لم تكن تُسدل السّتار على قصّة، بقدر ما كانت تفتح أبوابًا لقصصٍ جديدة؛ قصصِ خرّيجين سيحملون معهم اسمَ جامعتهم إلى ميادين العمل والحياة، وسيصبح كلّ واحدٍ منهم امتدادًا لحكايةٍ بدأت من هنا، وهكذا، في ختام احتفالات الفوج الحادي والسّتّين، لم تكن الجامعة الأردنيّة ترسم الفرح على الأرض وحدها؛ بل كانت ترسمه في السّماء أيضًا.

وفي السّماء بقيت الصّور والكلمات والأضواء، وعلى الأرض بقيت الذّكريات والوجوه والضّحكات.

أمّا "فوج الهواشم" فغادر الميدان، تاركًا وراءه قبّعاتٍ، ودموعًا في عيون الأهل، وذكرياتٍ في أروقة الجامعة، وحكايةً ستظلّ تقول:
هنا، في الجامعة الأردنيّة، اكتمل الحُلم... ومن هنا بدأت الحكاية.