بقلم: عمر الدريني
لا تحتاج المجتمعات إلى خطب طويلة كي تعرف معنى المسؤولية؛ أحيانًا تكشفها تفاصيل صغيرة لا يلتفت إليها أحد.
أن تعيد مقعدًا إلى مكانه، أن تحافظ على شارع نظيف، أن تلتزم بدورك في الطابور، أن تقود دون أن تجعل الطريق ساحة للمنافسة، أن تحترم الممتلكات العامة كما تحترم ممتلكاتك الخاصة؛ قد تبدو هذه السلوكيات بسيطة، لكنها في مجموعها ترسم صورة المجتمع الذي نعيش فيه.
المشكلة أن كثيرًا من النقاشات حول المسؤولية تبدأ من سؤال: ماذا يجب أن تفعل الدولة؟
وهو سؤال مشروع، لكنه لا يكفي.
فثمة سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا نفعل نحن؟
الدولة تضع القوانين، والمؤسسات تقدم الخدمات، والأجهزة تراقب وتطبق، لكن الحياة اليومية لا تُدار بالقوانين وحدها. هناك مساحة واسعة يصنعها سلوك الفرد نفسه، وحين تتراكم السلوكيات الصغيرة تتحول إلى ثقافة عامة.
ولهذا فإن احترام النظام ليس خوفًا من العقوبة، كما أن المحافظة على المرافق العامة ليست مجاملة لأحد. إنها قناعة بأن المكان الذي نعيش فيه ملك لنا جميعًا، وأن ما نفعله اليوم قد يحدد شكل الحياة التي سيعيشها الآخرون غدًا.
من «أنا» إلى «نحن»
ربما تكمن إحدى مشكلاتنا الحديثة في اتساع مساحة «أنا» على حساب «نحن».
أريد أن أصل أولًا، أريد أن أركن حيث يناسبني، أريد أن أتجاوز الدور، أريد أن أستخدم المرفق كما أشاء، ثم نتساءل بعد ذلك لماذا أصبحت بعض تفاصيل حياتنا اليومية أكثر فوضى وصعوبة.
المجتمع لا ينهار دفعة واحدة، كما أنه لا يتقدم بقرار واحد.
إنه يتشكل من ملايين التصرفات اليومية.
وعندما يقرر كل فرد أن القاعدة لا تنطبق عليه، تصبح الفوضى قاعدة. وعندما يؤمن كل فرد بأن له حقًا وعليه واجبًا، يبدأ النظام من الناس قبل المؤسسات.
المسؤولية لا تحتاج إلى منصب
من الخطأ أن نحصر المسؤولية في الموظف العام أو المسؤول أو صاحب القرار.
المسؤولية تبدأ من الإنسان العادي في بيته، وفي مدرسته، وفي عمله، وفي الشارع، وفي تعامله مع الآخرين.
الأب الذي يعلم أبناءه احترام الدور يمارس مسؤولية وطنية. والسائق الذي يترك مساحة للآخر يمارس مسؤولية. والموظف الذي يؤدي عمله بإتقان يمارس مسؤولية. والشاب الذي يحافظ على مرفق عام لا يعرف صاحبه، لكنه يعرف أنه ملك للجميع، يمارس مسؤولية.
لا أحد يحتاج إلى منصب كي يكون مؤثرًا.
ما الذي نتركه خلفنا؟
السؤال الأهم ربما ليس ماذا نملك، وإنما ماذا نترك؟
هل نترك مكانًا أفضل مما وجدناه؟
هل نترك كلمة طيبة بدل خصومة؟
هل نترك طريقًا أكثر أمانًا للآخرين؟
هل نترك لأبنائنا سلوكًا يستحق أن يتعلموه؟
هذه الأسئلة قد تبدو شخصية، لكنها في حقيقتها أسئلة وطنية؛ لأن الأوطان لا تُقاس فقط بما فيها من مبانٍ وطرق ومؤسسات، وإنما بما يسكن نفوس أهلها من قيم.
ومن هنا فإن بناء ثقافة المسؤولية لا ينبغي أن يكون حملة مؤقتة أو شعارًا موسميًا، بل سلوكًا يتعلمه الإنسان منذ طفولته ويمارسه حتى يصبح طبيعيًا.
الوطن يبدأ من التصرف اليومي
نحن نحتاج إلى أن نعيد تعريف الوطنية بعيدًا عن المناسبات والكلمات الكبيرة.
الوطنية أن تؤدي عملك عندما لا يراقبك أحد، وأن تلتزم بالقانون عندما تستطيع تجاوزه، وأن تحافظ على المال العام لأنه مال الناس جميعًا، وأن تختلف مع غيرك دون أن تهينه، وأن تعرف أن حريتك تتوقف عند اللحظة التي تبدأ فيها حقوق الآخرين.
بهذه التفاصيل تُبنى المجتمعات القادرة على التقدم.
فالإنجازات الكبرى تحتاج إلى مؤسسات قوية، نعم، لكنها تحتاج أيضًا إلى مواطن يشعر أن له دورًا حقيقيًا في نجاحها.
وربما آن الأوان لأن نتوقف عن النظر إلى المسؤولية باعتبارها عبئًا إضافيًا على الإنسان، ونراها كما هي في حقيقتها:
امتياز الإنسان القادر على أن يكون جزءًا من الحل.
فحين يصبح احترام النظام عادة، والمحافظة على الممتلكات العامة قناعة، وإتقان العمل ثقافة، ومراعاة الآخرين سلوكًا يوميًا، لن نحتاج إلى كثير من الشعارات لنتحدث عن مجتمع متقدم.
لأن أفضل المجتمعات ليست تلك التي تكثر فيها الكلمات عن المسؤولية، بل تلك التي يمارسها الناس دون أن يطلب منهم أحد ذلك.
وفي النهاية، قد لا يستطيع الإنسان تغيير مدينة كاملة، ولا إصلاح مؤسسة بأكملها، ولا حل مشكلة وطنية بمفرده.
لكنه يستطيع أن يبدأ من المكان الذي يقف فيه.
فالوطن الكبير الذي نحلم به، يبدأ غالبًا من تصرف صغير يختار كل واحد منا أن يفعله على نحو صحيح.
الدريني يكتب : حين تصبح المسؤولية عادة لا شعارًا
الثلاثاء - pm 10:54 | 2026-09-15
22 الإعلامي -








