بقلم: آلاء سلهب التميمي
ماذا يبقى من الإنسان بعد أن يرحل؟
قد تبقى صورة على جدار، أو اسم في سجل، أو منصب شغله ذات يوم، لكن الأهم أن تبقى حكاية. حكاية تقول للأجيال كيف عاش أصحابها، وماذا رأوا، وما الذي آمنوا به، وكيف واجهوا زمنهم.
ومن هنا تأتي قيمة كتاب «بعض ما علق في الذاكرة» للمربي والسياسي الأردني الراحل مرضي عبدالله القطامين «أبو نضال»؛ فالرجل لم يترك وراءه سيرة شخصية فقط، بل ترك صفحات من ذاكرة الأردن، مكتوبة بلسان من عاش المرحلة، لا بعيون من جاء بعدها ليقرأها من بعيد.
فالذاكرة حين يكتبها أصحابها تصبح أكثر من ذكريات؛ تصبح شهادة.
في هذا الكتاب، الصادر في طبعته الأولى عام 2015، يعود القطامين إلى محطات من حياته، وإلى الأردن الذي عرفه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين كانت الدولة تتشكل، والمجتمع يتغير، والتعليم يفتح أبوابه أمام أجيال جديدة، فيما كانت المنطقة العربية تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا وتأثيرًا.
لكن أهمية الكتاب لا تكمن في الأحداث وحدها، بل في الإنسان الذي يقف خلفها.
يأخذنا القطامين إلى بداياته في الطفيلة، إلى بيئة الجنوب بما حملته من صعوبة العيش ومحدودية الفرص، ثم يروي كيف شق طريقه بالتعليم والعمل والإصرار. ومن بين التفاصيل الصغيرة تظهر حكاية أكبر: أن الإنسان يستطيع أن يصنع مكانه في الحياة حتى عندما لا تكون الحياة قد أعدّت له مكانًا سهلًا.
وهنا تصبح سيرة «أبو نضال» أبعد من تجربة فردية.
إنها صورة لجيل أردني عرف قيمة أن يتعلم، وأن يعمل، وأن يتحمل المسؤولية قبل أن تصبح مفردات التنمية والتمكين عناوين جاهزة في الخطابات.
ويحتل التعليم مساحة مهمة في تجربة القطامين، وهو أمر مفهوم لرجل كان مربيًا قبل أن يكون صاحب موقع عام. فالمدرسة في ذاكرته ليست جدرانًا وصفوفًا وكتبًا، وإنما مساحة لبناء الإنسان، وصناعة الوعي، وفتح الطريق أمام أبناء لم تكن ظروفهم تمنحهم الكثير من الخيارات.
ومن خلال تجربته في التعليم والخدمة العامة، نرى جانبًا من الأردن الذي كان يتقدم خطوة خطوة، ويبني مؤسساته بإمكانات محدودة، ويعتمد على رجال ونساء رأوا في الوظيفة العامة مسؤولية تجاه المجتمع، لا مجرد مصدر للرزق.
ثم تأتي السياسة.
وهنا يصبح الكتاب أكثر حساسية وأهمية؛ لأن القطامين لم يكن مجرد شاهد على الأحداث السياسية، بل كان صاحب موقف ورؤية وقناعات. لذلك فإن ما يرويه عن تلك المرحلة يحمل قراءة شخصية لما جرى في الأردن والمنطقة، ويكشف كيف كان الفرد الأردني يتفاعل مع القضايا الوطنية والعربية والتحولات السياسية الكبرى التي أحاطت به.
وقد يختلف القارئ مع بعض مواقف صاحب المذكرات أو قراءاته للأحداث، لكن ذلك لا ينتقص من قيمة الشهادة؛ بل ربما يزيدها.
فالمذكرات ليست محكمة للتاريخ، ولا ينبغي أن نتعامل معها باعتبارها الحقيقة الوحيدة، وإنما بوصفها صوتًا من أصوات المرحلة.
وهذه بالضبط هي قيمة الكتاب.
فالتاريخ الرسمي يخبرنا عن القرارات والأحداث والتواريخ، أما المذكرات فتأخذنا إلى ما وراء الحدث: إلى مشاعر الناس، وتفاصيل حياتهم، وطموحاتهم، ومخاوفهم، وطريقة فهمهم لما كان يحدث حولهم.
ولهذا فإن كتب الذاكرة الوطنية ليست ترفًا ثقافيًا.
إنها جزء من حفظ الذاكرة الأردنية نفسها.
فكم من قصة عاشها رجل أو امرأة في قرية أو مدرسة أو مؤسسة، ثم اختفت برحيل صاحبها، لأنها لم تجد من يكتبها؟
وكم من تفاصيل صغيرة تبدو عادية في لحظتها، لكنها تصبح بعد عقود مفتاحًا لفهم مرحلة كاملة؟
من هنا يمكن قراءة «بعض ما علق في الذاكرة» بوصفه محاولة لإنقاذ شيء من ذلك الزمن قبل أن تأخذه السنوات معها.
والأهم أن الكتاب يذكّرنا بحقيقة ربما ننسى أهميتها وسط إيقاع الحياة السريع: الأردن الذي نعرفه اليوم لم يظهر فجأة، وإنما صنعته أجيال دفعت من أعمارها وجهدها وأحلامها ثمنًا لهذا البناء.
ومن حق تلك الأجيال علينا ألا نكتفي بترديد أسمائها، بل أن نقرأ تجاربها، ونفهم سياقها، ونتعلم منها.
رحل مرضي عبدالله القطامين، لكن ما كتبه بقي شاهدًا على زمن عاشه، وعلى وطن أحبه، وعلى قناعة بأن التجربة الإنسانية تستحق أن تُروى.
وربما هنا تكمن الرسالة الأهم في الكتاب: أن الإنسان لا يملك أن يمنع الزمن من الرحيل، لكنه يستطيع أن يترك وراءه ما يجعل الأجيال القادمة قادرة على فهمه.
فالذاكرة التي لا تُكتب تموت مع أصحابها.
أما الذاكرة التي تجد طريقها إلى الكتاب، فقد تتحول من حكاية رجل إلى جزء من حكاية وطن.
وهذا ما يجعل بعض ما علق في ذاكرة مرضي القطامين… جديرًا بأن يعلق في ذاكرتنا نحن أيضًا.









