بقلم : أ.د. محمد الفرجات
مع كل التقدير والاعتزاز بمديرية الأمن العام، وبما تقوم به من واجب وطني لحماية الإنسان وصون أمن المجتمع، أضع هذه الرؤية في لحظة نحتاج فيها إلى سؤال مختلف تمامًا:
هل نقيس نجاح منظومة المرور بعدد المخالفات التي ضبطناها، أم بعدد الأرواح التي نجحنا في إنقاذها؟
هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحًا اليوم بعد الحادث المأساوي الذي أودى بحياة خمسة أشخاص وأوقع 18 مصابًا في حادث تصادم لحافلة تقل مكلفين بخدمة العلم.
رحم الله من فقدناهم، وألهم أهلهم ورفاقهم الصبر، وشفى المصابين.
ولا يجوز، بالطبع، استباق التحقيق الفني والقانوني وتحديد المسؤولية قبل اكتمالها. لكن كل حادث كبير يجب ألا ينتهي فقط بإعلان أسبابه؛ بل يجب أن يتحول إلى درس وطني يمنع تكراره.
وهنا تحديدًا أعود إلى فكرة طرحتها عام 2018 بعنوان:
«تقرير سلامة وجاهزية الطرق مسؤولية الدوريات الخارجية».
واليوم أرى أن الفكرة يجب أن تتطور إلى مفهوم أشمل:
من ضبط المخالفة إلى منع الحادث.
فالدورية الخارجية ليست فقط مركبة تضبط السرعة أو تحرر مخالفة.
الدورية يمكن أن تكون عين الدولة المتحركة على الطريق.
الطريق ليس إسفلتًا فقط
الطريق منظومة متكاملة من الإنسان والمركبة والهندسة والطقس والإنارة والإشارات والحمولة والسرعة واليقظة والاستجابة.
وقد يكون الطريق مصممًا بصورة جيدة، لكن حادثًا واحدًا يمكن أن يبدأ من:
مركبة ثقيلة تغير مسربها بصورة مفاجئة،
أو سائق مرهق يفقد التركيز لثوانٍ،
أو حمولة غير آمنة،
أو مركبة تسير بسرعة لا تتناسب مع الظروف،
أو عائق على الطريق،
أو إنارة ضعيفة،
أو مسرب غير واضح،
أو مركبة متوقفة في مكان خطر.
وفي لحظة واحدة قد تتحول هذه العوامل إلى مأساة.
لذلك يجب ألا يكون السؤال:
كم مخالفة ضبطنا اليوم؟
بل:
كم خطرًا اكتشفنا قبل أن يتحول إلى حادث؟
الشاحنات ليست مجرد مركبات
الطرق الأردنية تشهد حركة كبيرة للشاحنات والمركبات الثقيلة، خصوصًا على الطرق الرابطة بين الموانئ والمدن والمراكز الصناعية والحدود.
وهذه المركبات تختلف جذريًا عن المركبات الصغيرة من حيث الكتلة ومسافة التوقف ونطاق الرؤية وتأثير تغيير المسرب.
ولهذا يجب أن يكون هناك نظام أكثر صرامة وذكاءً لمراقبة:
- الحمولة وتوزيعها وتثبيتها.
- الحالة الفنية للمركبة والإطارات والفرامل.
- الالتزام بالمسارب.
- السرعة المناسبة للمركبات الثقيلة.
- التجاوز وتغيير المسارب.
- القيادة في المنحدرات والطرق الطويلة.
- ساعات القيادة الفعلية.
- فترات الراحة.
- مؤشرات الإرهاق والنعاس.
وهنا نقطة بالغة الأهمية:
السائق المرهق ليس مجرد مخالف؛ إنه خطر متحرك.
ساعات القيادة قضية سلامة وطنية
ينبغي التعامل مع ساعات قيادة سائقي الشاحنات والحافلات باعتبارها جزءًا أساسيًا من السلامة المرورية.
فالقيادة لساعات طويلة دون راحة كافية يمكن أن تؤدي إلى انخفاض التركيز، وبطء الاستجابة، وتقدير خاطئ للمسافة والسرعة، بل إلى الغفوة أثناء القيادة.
لذلك نحتاج إلى منظومة إلكترونية تراقب ساعات القيادة والراحة للمركبات المهنية، وتمنع تجاوز الحدود التنظيمية المعتمدة، مع التأكد من أن السائق يحصل فعليًا على الراحة اللازمة.
ولا يكفي أن تكون لدينا تعليمات مكتوبة.
المطلوب أن تكون هناك بيانات إلكترونية قابلة للتحقق.
فإذا كانت المركبة تقطع مئات الكيلومترات يوميًا، يجب أن نعرف:
من قادها؟
كم ساعة قاد؟
متى استراح؟
كم مرة توقف؟
ما سرعته؟
هل تجاوز ساعات القيادة؟
وهل ظهرت عليه مؤشرات قيادة غير طبيعية؟
هنا تتحول التكنولوجيا من أداة لضبط المخالفة إلى أداة لإنقاذ الحياة.
لماذا لا تصبح الدورية «وحدة سلامة متنقلة»؟
الدورية الخارجية وهي تتحرك على الطريق تستطيع أن ترصد عشرات الأخطار التي قد لا تصل إلى غرفة العمليات إلا بعد وقوع حادث.
يمكنها تسجيل:
الشواخص المفقودة أو التالفة،
الدهانات والعواكس غير الواضحة،
الحفر والتشققات،
الزيوت والمواد المتساقطة،
بقايا الإطارات،
الحجارة والعوائق،
المركبات المتوقفة بصورة خطرة،
الإنارة غير الكافية،
الحيوانات السائبة،
الشاحنات ذات الحمولة غير الآمنة،
السلوكيات الخطرة،
وتغيير المسارب بصورة تعرض الآخرين للخطر.
ثم تُرسل المعلومة فورًا إلى الجهة المختصة.
رصد → تحديد الموقع → تصوير → تصنيف الخطورة → إحالة → معالجة → تحقق → إغلاق.
هذه ليست بيروقراطية جديدة.
هذه هندسة للسلامة.
لماذا لا يكون لكل طريق «سجل سلامة حي»؟
أقترح إنشاء نظام وطني رقمي لسلامة وجاهزية الطرق.
كل مقطع من الطريق يكون له ملف رقمي يتحدث باستمرار، يحتوي على:
حالة الإسفلت،
الإنارة،
الإشارات،
العواكس،
الأكتاف،
المنحنيات،
المنحدرات،
الجسور والأنفاق،
الحوادث السابقة،
أنواع المركبات،
مواقع الأعطال،
النقاط السوداء،
الأحوال الجوية،
ومستوى الخطورة.
وبالاستفادة من GIS والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات يمكن بناء خريطة وطنية آنية لمخاطر الطرق.
وتصنف المقاطع مثلًا:
🟢 منخفض الخطورة
🟡 يحتاج معالجة
🔴 عالي الخطورة
وبذلك لا تنتظر الدولة وقوع حادث كي تعرف أن المكان خطر.
نكتشف الخطر أولًا.
ماذا عن السرعة؟
السرعة عامل أساسي في شدة الحوادث، ولا خلاف على ضرورة تطبيق القانون.
لكن الرقابة الذكية يجب ألا تتحول في وعي المواطن إلى مجرد «مصيدة سرعة».
الأفضل أن تكون المنظومة:
تنبيه واضح → تحديد سرعة منطقي ومعلن → مراقبة مستمرة → تدخل عند الخطر → ضبط المخالفة عند الضرورة.
فالهدف ليس جمع أكبر عدد من المخالفات.
الهدف هو خفض السرعات الخطرة وخفض الحوادث والوفيات.
وسلامة رجل الأمن جزء من سلامة الطريق
علينا أيضًا ألا ننسى رجل الأمن الذي يقف على جانب الطريق ليلًا، في الظلام، بالقرب من شاحنات ومركبات تسير بسرعات عالية.
إن تعريض رجل الأمن للخطر من أجل ضبط مخالفة ليس هو النموذج الذي نريده في عصر التكنولوجيا.
نحتاج إلى مركبات دورية أكثر وضوحًا ليلًا، وإنارة وتحذير متقدم، وكاميرات، واتصال فوري، وتحديد مواقع، ومواقع توقف مدروسة هندسيًا، واستخدام أكبر للرقابة الإلكترونية حيثما كان ذلك أكثر أمانًا.
كلما استطعنا حماية رجل الأمن بالتكنولوجيا، فعلينا أن نفعل.
لنغير مؤشر النجاح
ربما آن الأوان لإعادة تعريف مؤشرات أداء الدوريات الخارجية.
بدلًا من أن يكون المؤشر الأساسي:
عدد المخالفات.
يصبح لدينا:
انخفاض الوفيات،
انخفاض الإصابات،
انخفاض الحوادث في النقاط السوداء،
عدد الأخطار التي أزيلت قبل وقوع الحوادث،
سرعة الاستجابة،
زمن معالجة عيوب الطريق،
الالتزام بساعات القيادة والراحة،
انخفاض المخالفات الخطرة،
وتحسن سلوك مستخدمي الطريق.
عندها فقط نكون قد نقلنا منظومة المرور من إدارة المخالفة إلى إدارة الخطر.
نحتاج إلى شراكة لا إلى جهة واحدة
الأمن العام لا يستطيع وحده معالجة كل عناصر الطريق.
الأمن العام يراقب ويستجيب ويضبط.
والجهات المسؤولة عن الطرق تعالج البنية التحتية.
والبلديات تعالج ما يقع ضمن اختصاصها.
والجهات المختصة بالنقل تراقب النقل المهني وساعات القيادة والاشتراطات.
والجامعات ومراكز البحث تقدم التحليل والنمذجة.
والقطاع الخاص يمكن أن يساهم في التكنولوجيا والأنظمة الذكية.
هذه ليست مسؤولية مؤسسة واحدة؛ إنها منظومة وطنية واحدة.
والأهم: لا نريد انتظار الحادث التالي
كل حادث كبير يجب أن ينتج عنه تقرير سلامة لا يكتفي بذكر ما حدث، بل يسأل:
ماذا كان يمكن اكتشافه قبل الحادث؟
هل كانت هناك مؤشرات سابقة؟
هل كان الموقع نقطة خطرة؟
هل كانت ساعات قيادة السائق ضمن الحدود؟
هل كانت المركبة بحالة فنية سليمة؟
هل كانت الحمولة آمنة؟
هل كان تغيير المسرب متوقعًا ويمكن رصده؟
هل كانت السرعة مناسبة؟
هل كانت الإشارات والعواكس والإنارة كافية؟
وهل كان بالإمكان منع الحادث لو وصلت معلومة واحدة إلى الجهة الصحيحة قبل دقائق أو ساعات؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يشغلنا.
من «شرطة المرور» إلى «منظومة سلامة مرورية»
لا أدعو إلى التساهل مع المخالف.
ولا إلى إلغاء الرادارات.
ولا إلى إعفاء السائق المتهور.
ولا إلى تخفيف القانون.
بل أدعو إلى شيء أكبر:
أن يصبح القانون أداة للوقاية قبل أن يكون أداة للعقوبة.
أن تكون الدورية حاضرة ليس فقط عندما يخالف السائق، بل عندما يصبح الطريق نفسه خطرًا.
أن نكتشف الشاحنة الخطرة قبل أن تصطدم.
أن نكتشف السائق المرهق قبل أن يغفو.
أن نكتشف العائق قبل أن يصطدم به أحد.
أن نكتشف النقطة السوداء قبل أن تحصد روحًا جديدة.
أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها السؤال في غرفة العمليات:
أين الخطر الآن؟
وليس فقط:
أين وقعت الحادثة؟
وهنا يمكن أن تصبح التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والخرائط الرقمية والبيانات الحية جزءًا من منظومة الأمن والسلامة.
الرسالة الأخيرة
المواطن الذي يخرج من العقبة إلى عمان، أو من إربد إلى الجنوب، أو من معان إلى العاصمة، لا يريد طريقًا مثاليًا.
يريد فقط أن يعود إلى أسرته.
والشاب الذي يذهب لأداء خدمة العلم يجب أن يعود إلى أهله بعد أن يؤدي واجبه لوطنه، لا أن تتحول رحلته إلى مأساة.
وسائق الشاحنة أيضًا إنسان له أسرة تنتظره.
ورجل الأمن الذي يقف على الطريق إنسان له أسرة تنتظره.
كل واحد منهم حياة كاملة، وليس رقمًا في إحصائية حادث.
ولهذا فإن المعيار الحقيقي لنجاح منظومة المرور ليس عدد المخالفات التي حررتها، ولا عدد المركبات التي أوقفتها.
المعيار الحقيقي هو عدد الأرواح التي نجحت في حمايتها.
ومن هنا أقترح أن ننتقل في الأردن من فلسفة:
«ضبط المخالفة»
إلى فلسفة أكثر تقدمًا:
«منع الحادث».
دورية ترى الخطر.
نظام يرصد الخطر.
بيانات تتنبأ بالخطر.
جهة تعالج الخطر.
وسائق يعرف أن الطريق ليس ساحة للمغامرة.
مواطن يحترم القانون + سائق مهني يقود وهو يقظ ومرتاح + مركبة آمنة + طريق جاهز + دورية وقائية + رقابة ذكية + استجابة سريعة = طريق أردني أكثر أمانًا.
إنها ليست رفاهية تقنية.
إنها استثمار في حياة الإنسان.
حمى الله الأردن وأبناءه، ورحم ضحايا حادث اليوم، وشفى المصابين، وحفظ رجال الأمن العام والقوات المسلحة وكل من يعمل على طرق المملكة.
والواجب الآن ليس فقط أن نعرف كيف وقع الحادث.
بل أن نتأكد أن الدرس الذي تركه وراءه سيمنع حادثًا آخر غدًا.









