×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : الدكتور محمد الفرجات

الفرجات يكتب : الناقل الوطني ليس مشروع مياه فقط… بل بوابة لبناء اقتصاد جديد في العقبة

الفرجات يكتب : الناقل الوطني ليس مشروع مياه فقط… بل بوابة لبناء اقتصاد جديد في العقبة
22 الإعلامي   -

بقلم : أ.د. محمد الفرجات

عندما نتحدث عن الناقل الوطني لتحلية مياه البحر في العقبة، يجب ألا نختزل المشروع في إنتاج نحو 300 مليون متر مكعب من المياه سنويًا. فهذا الرقم، على أهميته، لا يمثل سوى المخرج المباشر للمشروع، بينما تكمن قيمته الاستراتيجية الحقيقية في الاقتصاد الذي يمكن أن ينشأ حوله.

فالناقل الوطني يمكن أن يكون في الوقت نفسه مشروع أمن مائي، وأمن اقتصادي، ومشروعًا صناعيًا وتكنولوجيًا ولوجستيًا، إذا أحسنّا التخطيط له منذ البداية. نحن لا نتحدث عن محطة تحلية فقط، وإنما عن منظومة متكاملة تضم محطة للتناضح العكسي، ومنشآت بحرية، وناقلًا للمياه بطول يقارب 438 كيلومترًا، ومحطات ضخ وخزانات ومنشآت هيدروليكية، ومنظومة للطاقة الشمسية بقدرة تقارب 281 ميغاواط، إضافة إلى عشرات القطاعات الهندسية والصناعية والخدمية المرتبطة بها.

والأهم أن محطة التحلية ستكون في منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة. وهذا يعني أن العقبة لا ينبغي أن تكون مجرد الموقع الذي يستضيف المشروع، بل يجب أن تكون المدينة التي تستثمر في المشروع وتبني اقتصادًا جديدًا حوله.

وهنا أرى فرصة تاريخية لا يجوز أن تضيع.

من مشروع يُنفَّذ في العقبة إلى اقتصاد يُبنى في العقبة

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: كم سيكلف الناقل الوطني؟

بل السؤال الأذكى هو: كم من هذه الكلفة يمكن أن يتحول إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الأردني، وكم منها يمكن أن يستقر في العقبة؟

فالإنفاق على المشروع سيخلق طلبًا واسعًا على الأعمال المدنية والميكانيكية والكهربائية، والأنابيب والحديد والعزل والمضخات والمحركات وأجهزة القياس والتحكم والأتمتة والبرمجيات والمختبرات والكيماويات والنقل والخدمات اللوجستية والصيانة والتشغيل.

وهنا يكمن الفرق بين أن نبني مشروعًا كبيرًا، وبين أن نبني اقتصادًا كبيرًا حول مشروع كبير.

الوظائف ليست رقمًا واحدًا

من الضروري أن نكون دقيقين. لا يوجد حتى الآن رقم رسمي نهائي يمكن الاستناد إليه للقول إن المشروع سيخلق عددًا محددًا من الوظائف في العقبة، ولذلك لا أرى من الصحيح إطلاق أرقام كبيرة إعلاميًا دون دراسة اقتصادية متخصصة.

لكن يمكننا رؤية مسار الوظائف بوضوح.

خلال مرحلة الإنشاء ستنشأ فرص في الحفر والأعمال المدنية والإنشاءات المعدنية واللحام وتركيب الأنابيب والعزل والكهرباء والميكانيك ومحطات الضخ والطاقة الشمسية والاتصالات والتحكم والمساحة والجيولوجيا والهندسة والمختبرات والبيئة والنقل والمعدات الثقيلة والسلامة والخدمات اللوجستية والإعاشة والإقامة.

هذه الوظائف سيكون جزء منها مؤقتًا ومرتبطًا بمرحلة الإنشاء، لكنها ستولد في الوقت ذاته إنفاقًا محليًا واسعًا، وتدفع أعمال المقاولين والموردين والنقل والخدمات.

أما بعد التشغيل، فسنكون أمام وظائف أكثر تخصصًا واستدامة في التحلية والكيمياء والمياه والكهرباء والميكانيك والأتمتة وSCADA والمختبرات والبيئة البحرية والصيانة والطاقة والأمن والسلامة والأمن السيبراني والإدارة والمالية والمشتريات والخدمات اللوجستية.

لكن التأثير الأكبر قد يأتي من الوظائف غير المباشرة؛ فالمحطة تحتاج إلى موردين، والمورد يحتاج إلى عمالة ومعدات ونقل وصيانة ومحاسبة وتأمين واتصالات، والعامل نفسه ينفق على السكن والمواصلات والخدمات.

لذلك فإن الأثر الاقتصادي الكلي قد يتجاوز بكثير عدد العاملين داخل المشروع نفسه، لكن تحديد حجمه بدقة يحتاج إلى نموذج مدخلات ومخرجات اقتصادي خاص بالعقبة.

ولهذا أقترح أن تقوم سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، بالتعاون مع الجامعات والجهات الاقتصادية المختصة، بإعداد دراسة أثر اقتصادي وطنية للناقل الوطني على العقبة قبل بدء التنفيذ، وتحديثها سنويًا.

مصنع الأنابيب… يجب أن يكون البداية لا النهاية

إن الموافقة على إنشاء مصنع للأنابيب الفولاذية وعزلها برأسمال يصل إلى 120 مليون دينار، مع نحو 420 فرصة عمل للأردنيين، وتخصيص 50% من إنتاجه للناقل الوطني، تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.

لكن علينا أن نفكر أبعد من المصنع نفسه.

لماذا مصنع واحد فقط؟

يمكن للعقبة أن تبني حول هذه الحاجة سلسلة صناعية متكاملة تبدأ من الصلب وتصنيع الأنابيب واللحام والعزل، وتمتد إلى الصمامات والوصلات والمضخات ومعدات التحكم والصيانة وإعادة التأهيل، ثم إلى التصدير.

وبذلك لا يصبح الناقل الوطني مجرد مستهلك للصناعة، بل يصبح نواة لصناعة مائية وهندسية أردنية تستطيع الاستمرار وخدمة الأردن والمنطقة حتى بعد انتهاء المشروع.

لماذا لا نصنع جزءًا من تكنولوجيا التحلية؟

وهنا أكرر مقترحًا أراه جديرًا بالدراسة: لماذا لا تبدأ العقبة، بصورة تدريجية، في بناء قاعدة صناعية أردنية لأغشية التناضح العكسي ومكوناتها؟

لا أطرح ذلك باعتباره قرارًا حكوميًا قائمًا، وإنما كفرصة استثمارية وتكنولوجية تستحق الدراسة.

لدينا محطة تحلية ضخمة ستعمل لعقود، ولدينا احتياج متزايد عالميًا وإقليميًا للتحلية وإعادة استخدام المياه. ويمكن أن يبدأ المسار من مركز أبحاث ومختبرات اختبار، ثم التجميع والصيانة، فتصنيع بعض المكونات، وصولًا إلى شراكات تكنولوجية عالمية وتصنيع متقدم.

وهنا تستطيع الجامعات الأردنية أن تكون شريكًا في إنتاج التكنولوجيا، لا مجرد مستخدم لها.

العقبة تستطيع أن تصبح مركزًا إقليميًا لتكنولوجيا المياه

إذا جمعنا في مكان واحد:

محطة التحلية، والميناء، والمنطقة الاقتصادية، والطاقة الشمسية، والجامعات، والمختبرات، والصناعة، والشركات الهندسية، والخدمات اللوجستية

فإننا نمتلك مقومات إنشاء قطاع اقتصادي جديد بالكامل.

يمكن أن تصبح العقبة مركزًا إقليميًا لتكنولوجيا المياه؛ تأتي إليها الشركات لتصمم وتختبر وتصنع وتصلح وتطور وتصدر تقنيات المياه.

وهذا أهم وأكثر استدامة من الاقتصار على وظائف الإنشاء.

كما يمكن أن تستقطب العقبة شركات متخصصة في الهندسة والاستشارات والمختبرات والأتمتة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وصيانة المضخات وإدارة الطاقة والمياه والهندسة البحرية والمراقبة البيئية.

أي أننا نتحدث عن وظائف نوعية عالية المهارة والقيمة، وليس فقط وظائف عمالية.

الماء يمكن أن يصبح محركًا للاستثمار

الصناعة لا تحتاج إلى المياه فقط؛ إنها تحتاج إلى اليقين المائي.

وهذه نقطة اقتصادية بالغة الأهمية.

عندما يعرف المستثمر أن هناك مصدرًا مائيًا موثوقًا ومنظومة وطنية جديدة، فإن ذلك يدخل مباشرة في حسابات المخاطر ودراسات الجدوى والاستثمار طويل الأجل.

وهذا يمكن أن يعزز جاذبية العقبة لقطاعات مثل الصناعات الغذائية والدوائية والكيميائية والمعدنية والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالطاقة والصناعات البحرية، وحتى بعض الأنشطة الرقمية التي تحتاج إلى طاقة وبنية تحتية ومياه موثوقة.

ولا يعني ذلك أن الناقل وحده سيجلب هذه الاستثمارات، لكنه يمكن أن يزيل أحد القيود الأساسية أمام قرارات استثمارية جديدة.

من الماء إلى الزراعة الذكية

ولا أرى أن الهدف هو توجيه المياه المحلاة مباشرة إلى الزراعة منخفضة القيمة، بل استخدام زيادة المياه المتاحة لإعادة ترتيب المنظومة المائية بأكملها.

فمع توافر مياه شرب محلاة يمكن تخفيف الضغط على بعض المصادر الأخرى، وزيادة الاعتماد على المياه المعالجة في الزراعة، والتوسع في الزراعة المحمية والذكية وعالية القيمة، وربطها بالطاقة الشمسية حيثما كان ذلك اقتصاديًا وبيئيًا مناسبًا.

وهكذا تصبح كل قطرة ماء جزءًا من منظومة اقتصادية أكثر كفاءة.

الميناء والمقاولات واللوجستيات شركاء في المشروع

هذا المشروع يحتاج إلى كميات ضخمة من المعدات والأنابيب والحديد والمضخات والمحولات والكابلات وقطع الغيار والمواد الكيميائية ومعدات الإنشاء.

وميناء العقبة هو البوابة الطبيعية لهذه الحركة.

وهذا يعني فرصًا للمناولة والتخليص والشحن والنقل والتخزين والخدمات اللوجستية.

وإذا نجحنا في توطين جزء من التصنيع، يصبح الأثر مزدوجًا:

استيراد أقل، وقيمة مضافة وصادرات محتملة أكبر.

والأمر نفسه ينطبق على المقاولين الأردنيين. فلا ينبغي أن ينتهي المشروع إلى تنفيذ أجنبي كامل ثم تنتهي معه الفرصة الاقتصادية.

المطلوب برنامج واضح لتأهيل الشركات الأردنية للدخول في سلاسل التوريد، في الأعمال المدنية والطرق والحفر والخرسانة والأنابيب والعزل والكهرباء والاتصالات والأمن والنقل والصيانة والخدمات.

الشباب: لا نستورد الخبرة ثم نكتفي باستخدامها

أقترح إنشاء أكاديمية وطنية للناقل الوطني وتكنولوجيا المياه في العقبة قبل التشغيل بسنوات.

تتولى إعداد فنيين ومهندسين متخصصين في التحلية وRO والمضخات والكهرباء وSCADA والمختبرات والصيانة والطاقة الشمسية والمراقبة البيئية، إلى جانب التخصصات الهندسية المتقدمة.

الفكرة ليست فقط توفير موظفين للمشروع.

الفكرة أن نحوّل التكنولوجيا التي تدخل الأردن إلى معرفة أردنية، ثم إلى خبرة قابلة للتصدير.

العقبة كمختبر حي للبحث والابتكار

يمكن أن يصبح المشروع منصة بحث علمي غير مسبوقة في الأردن في مجالات تحلية مياه البحر وكفاءة الأغشية وخفض استهلاك الطاقة ومعالجة الرجيع الملحي والبيئة البحرية والذكاء الاصطناعي والتنبؤ بالأعطال وإدارة الشبكات والطاقة الشمسية والتخزين وجودة المياه وإعادة الاستخدام.

والأهم أن ينتقل البحث من المختبر إلى السوق: براءات اختراع، شركات ناشئة، منتجات، حلول تقنية وخدمات قابلة للتصدير.

كما يمكن للذكاء الاصطناعي والتوأم الرقمي أن يجعلا المنظومة واحدة من أكثر منظومات المياه رقمنة في المنطقة، عبر التنبؤ بالأعطال وتحسين تشغيل المضخات وإدارة الطاقة ومراقبة الأغشية وجودة المياه واكتشاف التسرب وتعزيز الأمن السيبراني.

وحتى الرجيع الملحي يجب أن يصبح ملف ابتكار

الرجيع الناتج عن التحلية سيُعاد إلى البحر بعد المعالجة وفق المتطلبات البيئية، لكن خليج العقبة نظام بحري حساس، ولذلك يجب أن يكون هذا الملف تحت مراقبة علمية مستمرة.

لا يكفي أن نسأل: كيف نتخلص منه؟

بل يجب أن نسأل: كيف نقلل أثره؟ وكيف نحسن الخلط والتصريف؟ وهل يمكن استرداد مواد ذات قيمة اقتصادية منه بصورة آمنة؟

لكن العلم يجب أن يسبق الاستثمار؛ فلا ينبغي أن نصف الرجيع اليوم بأنه «منجم للمعادن» قبل إثبات الجدوى الاقتصادية والبيئية بالتجارب.

الأمن المائي هو أيضًا أمن اقتصادي

العقبة تعتمد على منظومة مائية حساسة، وأي اضطراب كبير يمكن أن ينعكس على السكان والسياحة والصناعة.

وجود مصدر كبير ومحلى من مياه البحر يعزز مرونة المدينة أمام الجفاف والأزمات والتغير المناخي، وهذه المرونة بحد ذاتها لها قيمة اقتصادية واستراتيجية.

لكن علينا ألا نقع في خطأ الاعتقاد بأن وصول الناقل يعني انتهاء مشكلة المياه.

فالـ300 مليون متر مكعب الجديدة يجب ألا تصبح مبررًا لاستمرار الهدر، بل يجب أن تكون فرصة لإعادة بناء منظومة المياه من خلال خفض الفاقد، وإعادة الاستخدام، وحماية المياه الجوفية، ورفع كفاءة الاستهلاك.

والسياحة ستستفيد أيضًا

قد يبدو الربط بين التحلية والسياحة غير مباشر، لكنه في الحقيقة جوهري.

السائح لا يسأل عن مصدر المياه عندما يفتح الصنبور، لكنه يتأثر مباشرة بموثوقية المياه في الفندق والمطعم والمستشفى والمنشأة السياحية.

الأمن المائي يعزز قدرة القطاع السياحي على التخطيط والاستثمار، كما أن تحول العقبة إلى مركز إقليمي للمياه يمكن أن يخلق نمطًا جديدًا من السياحة العلمية والمؤتمرات والمعارض والتدريب والزيارات المهنية.

المطلوب: حزمة اقتصادية موازية للناقل الوطني

أقترح بالتزامن مع تنفيذ المشروع اعتماد «حزمة الأثر الاقتصادي للعقبة»، تتضمن مؤشرات سنوية قابلة للقياس، تشمل الوظائف المباشرة والمؤقتة وغير المباشرة، ونسبة المحتوى المحلي، وقيمة المشتريات من الشركات الأردنية، وعدد الشركات المحلية الداخلة في سلسلة التوريد، والاستثمارات الصناعية الجديدة المرتبطة بتوافر المياه، والشركات الناشئة في تكنولوجيا المياه، والإنفاق على البحث والتطوير، وعدد المهندسين والفنيين المدربين، والخدمات القابلة للتصدير، وبراءات الاختراع والمنتجات الجديدة، وأثر المشروع على المياه الجوفية والسياحة والصناعة والاستثمار.

بهذه الطريقة نقيس الأثر الحقيقي للمشروع، بدل أن نكتفي بالاحتفال بوضع حجر الأساس أو بوصول أول متر مكعب من المياه.

الرقم الأهم ليس 300 مليون متر مكعب

في تقديري، السؤال الاقتصادي الأذكى ليس: كم مترًا مكعبًا سينتج الناقل؟

بل:

كم دينارًا جديدًا يستطيع الاقتصاد الأردني أن يولد حول كل متر مكعب من هذه المياه؟

إذا أنتجنا الماء فقط، فنحن نكون قد حللنا مشكلة مائية.

أما إذا استخدمنا الماء لبناء صناعة، ووظائف، وتكنولوجيا، واستثمار، وسياحة، وبحث علمي، وشركات ناشئة، وصادرات وأمن مائي، فنحن نكون قد بنينا اقتصادًا جديدًا.

وهنا تحديدًا تكمن الفرصة التاريخية للعقبة.

فالعقبة تمتلك البحر والميناء والمنطقة الاقتصادية والموقع الاستراتيجي والقاعدة الصناعية والجامعات والشمس، وتمتلك بوابة الأردن التجارية إلى العالم. والآن يأتي إليها مشروع وطني ضخم يمكن أن يصبح أحد أهم مشاريع البنية التحتية المائية في تاريخ المملكة.

لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى العقبة باعتبارها المكان الذي ستُقام فيه محطة التحلية.

بل يجب أن ننظر إليها باعتبارها المكان الذي يمكن أن يولد فيه اقتصاد المياه الأردني.

وهذا هو التحدي الحقيقي:

ألا نكتفي بأن نشرب من البحر، بل أن نبني من البحر صناعةً، ومعرفةً، ووظائف، واستثمارًا، وتكنولوجيا، وفرصًا للأردن كله.