بقلم: آلاء سلهب التميمي
ليس أصعب على الإنسان من أن يرى حاجة غيره ثم يختار أن يدير وجهه عنها، رغم قدرته على أن يفعل شيئًا.
قد لا يكون ما يملكه كثيرًا؛ ربما كلمة، أو وقتًا، أو معرفة، أو مساعدة بسيطة، أو شيئًا صغيرًا يستعيره منه جاره ثم يعيده إليه. لكن قيمة الخير لا تُقاس بحجم ما نعطي، بل بالأثر الذي يتركه ما أعطيناه في حياة إنسان آخر.
من هنا أتوقف عند قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7]. فالماعون من معانيه ما ينتفع به الناس من الأشياء اليسيرة التي لا يضر إعارتها، وقد وردت في تفسيره معانٍ أخرى، منها الزكاة والمعروف. لكن المعنى الذي يستوقفني إنسانيًا هو ذلك التحذير من أن يصل الإنسان إلى مرحلة يبخل فيها حتى بما لا ينقصه.
وهنا تكمن خطورة المسألة.
فليست المشكلة في إناء أو دلو أو أداة منزلية، وإنما في النفس التي ترى حاجة الآخر ولا ترى في مساعدته قيمة. فالأشياء الصغيرة تكشف أحيانًا معاني كبيرة في النفوس؛ تكشف الكرم حين نعطيها، وتكشف الأنانية حين نمنعها.
الأخلاق تظهر عندما لا يكون هناك مقابل
نحن لا نحتاج دائمًا إلى مواقف عظيمة كي نثبت أننا أصحاب أخلاق. أحيانًا تكفي التفاصيل اليومية.
أن تساعد شخصًا يبحث عن معلومة وأنت تعرفها. أن تدل شابًا على فرصة قد تفتح له بابًا جديدًا. أن تشجع زميلًا على إنجاز حققه بدل أن تبحث عن ثغرات تقلل من قيمته. أن تقف إلى جانب إنسان في لحظة ضعف، أو أن تقول كلمة طيبة لشخص لا تعرف حجم المعركة التي يخوضها في داخله.
هذه الأشياء قد تبدو عابرة، لكنها في الحقيقة تصنع صورة الإنسان.
فالإنسان الكريم ليس بالضرورة من يعطي الكثير، وإنما من لا يتردد في إعطاء ما يستطيع حين يرى أن غيره يحتاج إليه.
وهنا يحضر قول رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
إنه حديث يتجاوز حدود المجاملة إلى بناء قاعدة أخلاقية متكاملة؛ أن نتمنى للآخرين من الخير ما نتمناه لأنفسنا، وأن نعيد النظر في علاقتنا بالنجاح والرزق والمكانة والفرص.
إذا أحببت أن تنجح، فلا تجعل نجاح غيرك يزعجك.
وإذا أحببت أن يفتح الله لك بابًا، فلا تتمنى أن يغلق أبوابه في وجه غيرك.
وإذا احتجت في يوم من الأيام إلى من يقف بجانبك، فتذكر أن هناك من قد يحتاج إلى وقوفك بجانبه اليوم.
هنا يصبح الحديث عن الأخلاق حديثًا عن سلوك حقيقي، لا عن شعارات جميلة.
لماذا يصعب علينا أحيانًا أن نفرح لنجاح الآخرين؟
ربما لأننا اعتدنا أن ننظر إلى الحياة باعتبارها منافسة مستمرة؛ إذا تقدم شخص، ظننا أننا تأخرنا، وإذا حصل غيرنا على فرصة، شعرنا أن فرصتنا قد ضاعت.
لكن الحقيقة أن نجاح الآخرين لا ينتقص من نجاحنا.
والفرص لا تصبح أقل قيمة لأن غيرنا حصل عليها.
والخير حين ينتشر لا يأخذ من أحد، بل يصنع بيئة يستطيع فيها الجميع أن يتقدموا.
لذلك، فإن أجمل ما يمكن أن نتعلمه هو أن نقول للآخر عندما يستحق: أحسنت، أفرح لك، وأتمنى لك المزيد.
قد تكون هذه الجملة قصيرة، لكنها تحتاج إلى قلب سليم حتى تُقال بصدق.
لا يمكن أن نتحدث عن مجتمع متماسك إذا لم نبدأ من الإنسان نفسه.
الأخلاق تُبنى في البيت قبل المدرسة، وفي المدرسة قبل مكان العمل، وفي تفاصيل الحياة قبل المناسبات الرسمية.
يتعلم الطفل معنى العطاء عندما يرى والديه يساعدان الآخرين.
ويتعلّم احترام الناس عندما يرى من حوله يحترمون اختلافاتهم.
ويتعلّم أن نجاح غيره لا يهدده عندما يسمع من يفرح بإنجاز الآخرين بدل أن يقلل منه.
وهكذا تنتقل الأخلاق من جيل إلى جيل؛ ليس من خلال الكلام فقط، وإنما من خلال القدوة والممارسة.
ومن أكثر الأفكار التي أؤمن بها أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يملك الكثير حتى يكون نافعًا.
قد لا تملك مالًا، لكنك تملك وقتًا.
وقد لا تملك منصبًا، لكنك تملك كلمة مساندة.
وقد لا تستطيع حل مشكلة إنسان، لكنك تستطيع أن تساعده في الوصول إلى من يستطيع.
وقد لا تملك إجابة لكل الأسئلة، لكنك تستطيع أن تمنح شخصًا شعورًا بأنه ليس وحده.
وهذه كلها صور من صور الخير.
فالخير ليس مشروعًا مؤجلًا حتى تتحسن ظروفنا؛ الخير يبدأ بما نملكه الآن.
حين نعود إلى الآية الكريمة: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، نجد أن الرسالة أعمق من مجرد الحديث عن الأشياء التي نُعيرها للآخرين.
إنها دعوة لأن نسأل أنفسنا بصدق:
كم مرة كان بإمكاننا أن نساعد ولم نفعل؟
كم مرة امتلكنا معلومة واحتفظنا بها لأنفسنا؟
كم مرة رأينا إنسانًا يحتاج إلى كلمة طيبة واخترنا الصمت؟
كم مرة أزعجنا نجاح شخص آخر بدل أن نفرح له؟
وكم مرة كان بإمكاننا أن نكون سببًا في تسهيل أمر على إنسان، لكننا اخترنا أن نقول: «ليس من شأني»؟
ربما لا نملك إجابات مريحة عن كل هذه الأسئلة، لكن مجرد طرحها على أنفسنا قد يكون بداية التغيير.
في نهاية المطاف، لن يتذكر الناس كل ما قلناه عن أنفسنا، لكنهم سيتذكرون كيف جعلناهم يشعرون.
سيتذكر إنسانٌ من أعانه عندما ضاقت به الدنيا، وآخر من شجعه عندما شك في قدرته، وثالث من مدّ له يدًا دون أن يسأله عن المقابل.
وهنا تكمن قيمة الأخلاق الحقيقية.
أن تكون قادرًا على الخير، ثم تختاره.
أن ترى حاجة إنسان، ثم لا تتجاهلها.
أن تملك فرصة للارتفاع، ثم لا تستخدمها لإسقاط الآخرين.
أن تنجح، وتترك خلفك أبوابًا مفتوحة لغيرك.
فالخير لا يُنقصنا، والنجاح لا يكتمل إذا كان ثمنه أن نخسر إنسانيتنا.
وربما كانت أجمل صورة يمكن أن نتركها عن أنفسنا أن يقول أحدهم بعد سنوات: في وقت كنت أحتاج فيه إلى من يساعدني، وجدت فلانًا إلى جانبي.
ذلك هو الأثر الذي لا يُقاس بالمال، ولا بالمناصب، ولا بعدد ما جمعناه في حياتنا.
فلا تمنع «الماعون»… فقد يكون أبسط ما تعطيه، أعظم ما يحتاجه إنسان.









