بقلم: آلاء سلهب التميمي
حين تكون القدس في دائرة الاستهداف، فإن القضية لا تتعلق بمدينة عابرة في خارطة العالم، وإنما بمدينة تحمل ذاكرة أمة، وقداسة عقيدة، وإرث حضارة إنسانية ضاربة في عمق التاريخ. فالقدس كانت وستبقى عنواناً للهوية، ورمزاً للسلام الذي لا يمكن أن يتحقق إلا باحترام حقوق الشعوب وصون المقدسات.
وفي هذا السياق، تأتي استضافة العاصمة الأردنية عمّان للاجتماع الوزاري العربي الإسلامي للجنة المكلفة بالتحرك الدولي لحماية القدس، لتؤكد الدور الأردني التاريخي والمحوري في الدفاع عن المدينة المقدسة، وحشد المواقف العربية والإسلامية والدولية للحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس، ورفض أي إجراءات تستهدف تغيير هويتها أو المساس بمكانتها الدينية والحضارية.
فالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس تمثل امتداداً لدور تاريخي ومسؤولية عظيمة حملتها القيادة الهاشمية على مدار عقود، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن حماية المقدسات ليست موقفاً سياسياً مرتبطاً بظرف معين، وإنما واجب تاريخي تجاه مدينة تختزن إرثاً دينياً وإنسانياً لا يخص شعباً واحداً، وإنما يعني الملايين حول العالم.
إن الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى المبارك، ومحاولات المساس بحرمته، والتضييق على المصلين، وفرض إجراءات تهدد حرية العبادة، تشكل انتهاكاً خطيراً لحرمة المكان ومكانته، وتفتح الباب أمام مزيد من التوتر وعدم الاستقرار. فالأقصى بما يمثله من قيمة روحية وتاريخية، يحتاج إلى حماية حقيقية تترجم احترام القوانين الدولية وقرارات الشرعية الدولية، وتحفظ حق المسلمين في الوصول إليه وأداء عباداتهم بحرية وأمان.
كما أن ما يتعرض له الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل من إجراءات تمس خصوصيته ومكانته الدينية يثير القلق، ويؤكد ضرورة التعامل مع المقدسات باعتبارها أماكن للعبادة والسلام والتعايش، بعيداً عن أي ممارسات تؤدي إلى تغيير طابعها أو فرض واقع جديد على الأرض.
لقد كان الأردن حاضراً دائماً في مختلف المحافل الدولية دفاعاً عن القدس، مستنداً إلى موقف سياسي ودبلوماسي يقوم على حماية الحقوق، ووقف الانتهاكات، والدعوة إلى حل عادل وشامل يعيد للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، ويضمن الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة.
إن قضية القدس تحتاج اليوم إلى موقف عالمي أكثر جدية، وإلى إرادة سياسية قادرة على حماية القانون الدولي من الانتقائية، لأن استمرار الانتهاكات بحق المقدسات يهدد قيم التعايش والسلام التي تتغنى بها الإنسانية.
فالقدس ليست خبراً عابراً في نشرات الأخبار، وليست ملفاً مؤجلاً على طاولات السياسة، إنها قضية وجدان وضمير، ومقياس حقيقي لاحترام العالم للعدالة والحرية وحقوق الإنسان.
وفي الختام، فإن المسجد الأقصى المبارك أمانة في أعناق المسلمين جميعاً، وحمايته مسؤولية تتجاوز حدود الكلمات والشعارات إلى الوعي والموقف والعمل.
فالأقصى ينادي ضمائر الأمة، وينتظر صوتاً موحداً يحفظ قدسيته ويصون مكانته.
إن الدفاع عن القدس ليس دفاعاً عن جدران وحجارة فقط، وإنما دفاع عن تاريخ وهوية وعقيدة، وعن قيمة إنسانية يجب أن تبقى مصانة للأجيال القادمة. وستبقى القدس حاضرة في قلوب المسلمين، شاهدة على أن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن المقدسات لا تُحمى بالصمت، وإنما بالمواقف التي تليق بعظمتها ومكانتها.






