بقلم: آلاء سلهب التميمي
أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى أن يرفع صوته حتى يؤذي غيره.. تكفي كلمة واحدة.
كلمة تُكتب في لحظة غضب، أو تُنشر بدافع خصومة، أو تنتشر دون التحقق منها، ثم يصبح من الصعب إيقافها أو إصلاح أثرها.
وهنا السؤال: متى تكون الكلمة ممارسة لحرية الرأي، ومتى تتحول إلى اغتيال للشخصية؟
الفرق يبدأ من نقطة بسيطة: هل نناقش ما فعله الإنسان، أم نحاول هدم الإنسان نفسه؟
من حق الاعلامي أن يسأل وينتقد ويكشف الخلل، وأن يضع أداء المسؤول أو المؤسسة أمام الرأي العام. لكن ليس من حقه أن يحوّل الخلاف إلى خصومة، أو الرأي إلى اتهام، أو المعلومة غير المؤكدة إلى حقيقة.
النقد يناقش فكرة أو قرارًا أو أداءً، أما الاتهام فيحتاج إلى دليل.
وهنا يجب أن يسبق النشرَ سؤالٌ بسيط:
أين الدليل؟
من أين جاءت المعلومة؟ هل تم التحقق منها؟ هل هناك مصادر موثوقة؟ هل أُعطي الطرف الآخر حق الرد؟ وهل نشرها يخدم المصلحة العامة، أم أنه مجرد بحث عن المشاهدات؟
أما التشهير فيبدأ عندما تتحول المعلومة إلى وسيلة للإضرار بسمعة شخص دون أساس مهني، ويتحول الأمر إلى اغتيال للشخصية عندما يصبح الهدف الأساسي هو تشويه الإنسان وإسقاطه أمام الناس، بدل كشف الحقيقة.
لكن في المقابل، لا يجوز أن تتحول عبارة «اغتيال الشخصية» إلى وسيلة لإسكات الصحافة.
النقد ليس إساءة، والمساءلة ليست تشهيرًا، وكشف الخطأ ليس اغتيالًا للشخصية.
الشخصية العامة ليست فوق النقد، والمسؤول ليس فوق المساءلة، والاعلامي ليس فوق المسؤولية.
وفي زمن مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت مسؤولية الاعلامي أكبر؛ فالمعلومة الخاطئة تنتشر خلال دقائق، بينما قد يحتاج تصحيحها إلى أيام، وربما لا يصل إلى كل من شاهدها.
لذلك، ليس كل ما نسمعه يُنشر، وليس كل ما يُقال يصلح أن يكون خبرًا، وليس كل ما ينتشر يصبح حقيقة.
الاعلامي الحقيقي لا يخاف من السؤال الصعب، لكنه يخاف أن يكتب معلومة لا يستطيع إثباتها.
ومن واقع العمل الاعلامي، أؤمن أن أصعب ما يمكن أن يفعله الاعلامي ليس أن يكتب، وإنما أن يعرف ماذا يكتب، ومتى يكتب، ومتى يجب أن يتوقف.
فالاعلام ليست بحثًا عن فضيحة، وإنما بحث عن حقيقة.
وفي النهاية، حرية الاعلام لا تعني حرية الظلم، وحماية السمعة لا تعني حماية المسؤول من النقد.
الاعلامي الحقيقي هو من يملك شجاعة السؤال، ونزاهة التحقق، وعدالة الكلمة.
فالكلمة قد تكون طريقًا إلى الحقيقة، وقد تتحول إلى سلاح إذا غاب عنها الدليل والضمير.









