×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : فادي البوري

البوري يكتب :لماذا تفشل شركات رابحة؟

البوري يكتب :لماذا تفشل شركات رابحة؟
22 الإعلامي   -

بقلم: فادي البوري / متخصص في الإدارة المالية والتحليل المالي

قد يبدو السؤال متناقضًا: كيف يمكن لشركة تحقق أرباحًا أن تتعثر أو تصل إلى مرحلة لا تستطيع فيها دفع رواتب موظفيها أو مستحقات مورديها؟

الإجابة غالبًا تبدأ من كلمة واحدة: السيولة.

في الإدارة المالية، هناك فرق جوهري بين أن تحقق الشركة ربحًا وبين أن تمتلك النقد الكافي لإدارة أعمالها. فقد تسجل الشركة مبيعات وأرباحًا جيدة، لكن جزءًا كبيرًا من أموالها يكون عالقًا لدى العملاء أو مجمدًا في المخزون.

وهنا تبدأ المشكلة.

عندما تمنح الشركة تسهيلات ائتمانية دون دراسة كافية، وتتأخر في متابعة الذمم المدينة، ولا تحصل على تأكيدات دورية للأرصدة، فإن المبيعات التي كانت مصدرًا للنمو قد تتحول تدريجيًا إلى ضغط على التدفقات النقدية.

والأخطر أن بعض الإدارات تنظر إلى ارتفاع المبيعات باعتباره نجاحًا مطلقًا.

لكن السؤال المالي الصحيح ليس فقط: كم بعنا؟

بل يجب أن نسأل أيضًا: بأي هامش بعنا؟ ولمن بعنا؟ ومتى سنحصّل أموالنا؟

فليس كل عميل كبير عميلًا جيدًا، وليست كل زيادة في المبيعات زيادة في القيمة.

وقد يكون من الأفضل أحيانًا بيع كمية أقل لعميل ملتزم بالسداد، بدلًا من تحقيق مبيعات ضخمة لعميل يستنزف السيولة ويتأخر في الدفع لأشهر.

الأمر نفسه ينطبق على المخزون. فالمخزون الزائد ليس دائمًا علامة قوة؛ بل قد يكون نقدًا متوقفًا على الرفوف، خصوصًا عندما تكون هناك أصناف بطيئة الحركة أو معرضة للتلف والتقادم.

لذلك يجب أن تنتقل الإدارة المالية من مفهوم تسجيل الأرقام إلى مفهوم إدارة الأرقام واتخاذ القرار من خلالها.

وهذا يتطلب تقارير واضحة لأعمار الذمم، ومتابعة يومية للتحصيل، وتحليل حركة المخزون، ومراقبة التدفقات النقدية، وربط سياسات البيع والائتمان بالقدرة الفعلية للشركة على التمويل.

كما يجب ألا تكون مسؤولية التحصيل محصورة في الدائرة المالية وحدها. فالبيع والتحصيل عمليتان مترابطتان؛ لأن الصفقة لا تحقق هدفها المالي الحقيقي بمجرد إصدار الفاتورة، وإنما عندما تتحول قيمة هذه الفاتورة إلى نقد يدخل حساب الشركة.

وفي ظل ارتفاع تكاليف التشغيل والتمويل، لم يعد كافيًا أن تسأل الإدارة في نهاية الشهر: كم حققنا من الأرباح؟

السؤال الأهم أصبح:

كم دخل إلى حساباتنا من النقد؟ وكم سيخرج منها؟ وهل نستطيع تمويل الشهر القادم دون ضغوط إضافية؟

الشركات لا تتعثر دائمًا لأنها لا تبيع، ولا لأنها لا تحقق أرباحًا.

بعضها يتعثر لأنه لم يحسن إدارة النقد الذي يفترض أن تنتجه تلك الأرباح.

ولهذا يمكن تلخيص أحد أهم دروس الإدارة المالية في عبارة بسيطة:

الربح يخبرك إن كان عملك مجديًا، أما السيولة فتخبرك إن كنت ستستطيع الاستمرار.