بقلم: آلاء سلهب التميمي
لم يعد السؤال اليوم: هل وصلتك المعلومة؟
بل أصبح السؤال الأخطر: من أرادك أن تصدقها؟
في عالم رقمي لا ينام، قد تحتاج الحقيقة إلى ساعات وأيام حتى تثبت نفسها، بينما تحتاج الكذبة إلى ثوانٍ فقط لتصبح حديث الناس.
صورة واحدة خارج سياقها، مقطع فيديو مبتور، عنوان مستفز، حساب مجهول، أو خبر بلا مصدر... ثم تبدأ الحكاية. مشاركة أولى، ثم ثانية، ثم مئات وآلاف المشاركات، وفجأة تتحول المعلومة المشكوك فيها إلى «حقيقة» يتعامل معها الناس وكأنها أمر واقع.
هنا تحديداً تبدأ خطورة التضليل الإعلامي.
فالتضليل لم يعد مجرد خبر كاذب ينشره شخص مجهول، وإنما أصبح صناعة متكاملة تستفيد من التكنولوجيا وسرعة المنصات الرقمية وخوارزميات الانتشار، وتعرف جيداً كيف تخاطب مشاعر الجمهور، وكيف تستفز غضبه، وكيف تدفعه إلى المشاركة قبل أن تمنحه فرصة التفكير.
والأخطر من الكذبة نفسها أن بعض أشكال التضليل لا تبدو كذبة أصلاً.
قد تكون المعلومة صحيحة، لكن جرى إخراجها من سياقها. وقد تكون الصورة حقيقية، لكنها تعود إلى سنوات مضت. وقد يكون الفيديو حقيقياً، لكن جرى اقتطاع جزء منه ليقول شيئاً مختلفاً تماماً عما قيل في الأصل.
وفي زمن الذكاء الاصطناعي، أصبح الأمر أكثر تعقيداً؛ فالصورة يمكن أن تُصنع، والصوت يمكن تقليده، والفيديو يمكن التلاعب به، وأصبح على الإنسان أن يسأل قبل أن يصدق: هل ما أراه حدث فعلاً؟
لكن المشكلة لا تقف عند حدود الأخبار الكاذبة.
التضليل الإعلامي قادر على صناعة الخوف، وتأجيج الخلافات، وتغيير المواقف، والتأثير في الرأي العام، وضرب الثقة بالمؤسسات ووسائل الإعلام، بل ودفع المجتمع أحياناً إلى الانقسام حول قضايا لم تبدأ أصلاً بهذه الصورة التي وصلت إلى الجمهور.
وهنا علينا أن نتوقف.
لأن المجتمع الذي يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والتضليل يصبح مجتمعاً سهل التأثير.
ومن هنا تأتي أهمية الوعي الإعلامي، خصوصاً لدى طلبة الإعلام الذين سيكونون صحفيي المستقبل وصنّاع المحتوى والقائمين على تشكيل جزء كبير من المشهد الإعلامي القادم.
دراسة تناولت مستوى إدراك طلبة كليات الإعلام في الجامعات الأردنية لطرق وأساليب التضليل الإعلامي في الإعلام الرقمي أظهرت وجود وعي لدى الطلبة بخطورة هذه الظاهرة، لكنها في الوقت ذاته تفتح سؤالاً أكبر: هل يمتلك هذا الجيل الأدوات العملية الكافية لمواجهة التضليل؟
المعرفة بالخطر لا تعني بالضرورة القدرة على مواجهته.
فالطالب الذي يعرف أن هناك أخباراً مضللة، لكنه لا يعرف كيف يتحقق من مصدرها، أو يفحص صورة، أو يتأكد من تاريخ فيديو، أو يقارن بين المصادر، أو يكتشف محاولة التلاعب بالسياق، قد يتحول من متلقٍ للتضليل إلى ناقل له من حيث لا يدري.
وهنا تقع مسؤولية كليات الإعلام.
نحن لا نحتاج إلى إعلاميين يجيدون كتابة الخبر فقط، بل نحتاج إلى إعلاميين يجيدون اكتشاف الكذبة قبل نشرها.
نحتاج إلى صحفي يسأل عن المصدر قبل أن يسأل عن عدد المشاهدات، ويبحث عن الحقيقة قبل أن يبحث عن «الترند»، ويدرك أن السبق الصحفي لا يبرر التضحية بالدقة والمهنية.
كما أن مواجهة التضليل ليست مهمة الصحفي وحده. إنها مسؤولية مشتركة بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية والمجتمع ومنصات التواصل والجمهور نفسه.
فليس كل ما يصلنا عبر الهاتف خبراً، وليس كل ما يحظى بآلاف المشاركات حقيقة، وليس كل ما تقوله صورة صحيحاً، وليس كل ما ينتشر يستحق أن يُنشر.
لقد أصبحنا بحاجة إلى مواطن يتحقق قبل أن يشارك، وصحفي يتحقق قبل أن ينشر، ومؤسسة إعلامية تتحقق قبل أن تتصدر المشهد.
والأخطر من انتشار الكذبة هو أن يصل بنا التضليل إلى مرحلة لا نعود فيها نثق بأي شيء.
حينها تصبح الحقيقة نفسها موضع شك.
وهذه هي المعركة الحقيقية.
فالتضليل الإعلامي لا يريد منك دائماً أن تصدق الكذبة؛ أحياناً يكفيه أن يجعلك تشك في الحقيقة، وأن تفقد ثقتك بالمصادر، وأن يصبح كل شيء بالنسبة إليك قابلاً للتصديق والتكذيب في الوقت نفسه.
وفي هذه الفوضى، يفوز الأكثر قدرة على التأثير، لا الأكثر صدقاً.
لذلك، فإن تعليم طلبة الإعلام مهارات التحقق الرقمي ومواجهة التضليل ليس مادة إضافية في الخطة الدراسية، ولا دورة تدريبية يمكن تنظيمها من باب الترف الأكاديمي.
إنه خط دفاع عن الحقيقة.
فالإعلام الذي لا يحمي الحقيقة قد يتحول إلى جزء من المشكلة، والإعلامي الذي لا يتحقق من معلوماته قد يصبح أداة في يد من يصنع التضليل.
وفي النهاية، ربما لا نستطيع أن نمنع الكذبة من الانتشار...
لكننا نستطيع أن نمنعها من أن تجد طريقها إلى عقولنا بسهولة.
في زمن أصبحت فيه الكذبة أسرع من الحقيقة، لم تعد مقاومة التضليل مسؤولية الإعلام وحده... بل أصبحت مسؤولية كل من يملك هاتفاً ويضغط زر «مشاركة».
فالسؤال لم يعد: ماذا قرأت اليوم؟
بل: كم مرة تحققت مما قرأت قبل أن تصدقه؟









