بقلم: آلاء سلهب التميمي
حين يُذكر ألبرت أينشتاين، نتذكر عالماً غيّر نظرة الإنسان إلى الزمان والمكان والطاقة والجاذبية، لا لأنه اكتفى بما كان معروفاً في عصره، بل لأنه امتلك شجاعة السؤال، وقدرة الشك، وإرادة البحث عن تفسير مختلف لما اعتاده الناس على أنه حقيقة ثابتة.
ومن هنا، لا أستعير أينشتاين في هذا المقال بوصفه فيزيائياً، ولا أحاول أن أحوّل نظرياته العلمية إلى نظريات سياسية؛ فلكل علم مجاله وقواعده. لكنني أستعير منه العقل الذي لا يخاف من السؤال.
وهنا تحديداً أجد صلة تستحق التأمل بين أينشتاين والسياسة.
ففي عالم يتغير بسرعة، قد لا تكون المشكلة دائماً في غياب الحلول، وإنما في أننا نحاول أحياناً معالجة أسئلة جديدة بأدوات تفكير قديمة.
فماذا لو احتاجت السياسة اليوم إلى عقل أينشتاين؟
لا تخافوا من تغيير طريقة التفكير
أينشتاين لم يغير الفيزياء لأنه حفظ النظريات السابقة، وإنما لأنه تجرأ على إعادة النظر في بعض المسلمات التي بدت لسنوات طويلة غير قابلة للنقاش.
والسياسة، مثل العلم، لا تتقدم عندما تتحول الأفكار القديمة إلى حقائق أبدية.
المجتمعات تتغير، واحتياجات الناس تتغير، والاقتصاد يتغير، ووسائل الاتصال تتغير، وحتى طريقة المواطن في تكوين رأيه السياسي لم تعد كما كانت قبل سنوات.
لكننا أحياناً نريد مؤسسات حديثة بعقلية تقليدية، ونريد شباباً أكثر مشاركة دون أن نمنحهم المساحة الكافية للمشاركة، ونريد أحزاباً قوية دون أن نمنح العمل الحزبي فرصة حقيقية لاختبار البرامج والأفكار، ونريد إعلاماً حديثاً بينما ما زلنا نتعامل مع الجمهور وكأنه مجرد متلقٍ ينتظر الرسالة.
السياسة التي لا تتطور مع المجتمع تتحول، مع الوقت، إلى إجابات قديمة عن أسئلة لم تعد موجودة.
ولهذا فإن أول درس يمكن أن نتعلمه من أينشتاين هو ببساطة:
لا تخافوا من إعادة التفكير.
في النقاش العام، كثيراً ما تختزل القضايا السياسية والاقتصادية في الأرقام: البطالة، الأسعار، النمو، المديونية، فرص العمل، نسب المشاركة، ومؤشرات الاقتصاد.
ولا شك أن الأرقام ضرورية لفهم الواقع، لكنها لا تحكي القصة كاملة.
خلف كل رقم إنسان.
خلف نسبة البطالة شاب ينتظر فرصة.
وخلف ارتفاع الأسعار أسرة تعيد ترتيب أولوياتها.
وخلف الحديث عن الإصلاح السياسي مواطن يريد أن يشعر بأن صوته مسموع، وأن مشاركته ليست مجرد إجراء شكلي.
وخلف كل حديث عن الاقتصاد صاحب مشروع صغير يحاول أن يبقى واقفاً، وعامل يبحث عن استقرار، وأسرة تريد أن تمنح أبناءها مستقبلاً أفضل.
لذلك، فإن السياسة الناجحة في رأيي ليست التي تتحدث عن المواطن فقط، وإنما التي تنظر إلى المواطن باعتباره شريكاً في صناعة المستقبل.
وهنا نحتاج إلى عقل لا يرى المؤشر وحده، بل يرى الإنسان الذي يقف خلفه.
لا أقصد أن نظرية النسبية تقدم لنا نظرية سياسية؛ فهذا تبسيط لا يصح علمياً.
لكن ما أستعيره من أينشتاين هنا هو قيمة زاوية النظر.
فما يراه المسؤول من مكتبه قد يختلف عما يراه المواطن في السوق.
وما يبدو قراراً إدارياً بسيطاً على الورق قد تكون له آثار كبيرة على حياة أسرة.
وما يبدو إصلاحاً ناجحاً في تقرير رسمي قد يحتاج إلى سنوات حتى يشعر المواطن بأثره في حياته اليومية.
ولهذا تحتاج السياسة إلى أكثر من نافذة واحدة.
نحتاج إلى عين الدولة، وعين المواطن، وعين الخبير، وعين الشباب، وعين المرأة، وعين العامل، ورب الأسرة، وصاحب المشروع، والمعلم، والصحفي.
كل زاوية تضيف جزءاً من الصورة.
والسياسة التي تسمع صوتاً واحداً قد ترى نصف الحقيقة فقط.
وهنا تبدأ الحكمة السياسية: أن نستمع إلى الاختلاف لا باعتباره تهديداً، وإنما باعتباره مصدراً للمعلومات.
نحن نبحث أحياناً عن الحل الكبير والسريع لمشكلات معقدة تراكمت عبر سنوات.
نريد إصلاحاً شاملاً في وقت قصير، وحلولاً اقتصادية فورية، وفرص عمل واسعة، ومشاركة سياسية متقدمة، ومؤسسات أكثر كفاءة.
لكن الدول لا تُبنى بهذه الطريقة.
الدول تُبنى بالتراكم.
قرار صحيح اليوم، يليه قرار صحيح غداً.
مؤسسة تتحسن.
خدمة عامة تصبح أكثر كفاءة.
شاب يحصل على فرصة.
مشروع صغير يجد طريقه للنمو.
مدرسة تخرج جيلاً أكثر قدرة على التفكير.
جامعة تربط المعرفة بسوق العمل.
إعلام يمارس دوره بمهنية.
وحزب سياسي يتعلم من تجربته ويقدم برنامجاً قابلاً للنقاش والمساءلة.
هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة منفردة، لكنها عندما تتراكم تصنع تحولاً كبيراً.
وكما لم تتغير نظرة الإنسان إلى الكون باكتشاف واحد فقط، فإن بناء الدول الحديثة لا يحدث بقرار واحد.
الإصلاح الحقيقي ليس لحظة إعلامية؛ إنه مسار طويل من العمل والثقة والإنجاز.
لو أردنا أن نصوغ معادلة سياسية بسيطة للمستقبل الأردني، فقد تكون:
الشباب + المعرفة + الفرصة = قوة وطنية.
الأردن لا يفتقر إلى الشباب الطموح، ولا إلى العقول القادرة على التعلم والابتكار.
لكن السؤال الحقيقي هو: كيف نحول هذه الطاقة البشرية إلى قوة منتجة ومشاركة في صناعة القرار؟
الشاب الذي يمتلك المعرفة ولا يجد فرصة قد يتحول طموحه إلى إحباط.
والشاب الذي يجد فرصة حقيقية يمكن أن يتحول إلى مشروع نجاح، ويوفر فرصاً لغيره، ويصبح جزءاً من الحل بدلاً من أن يبقى منتظراً له.
لذلك، فإن الاستثمار في الشباب ليس شعاراً سياسياً ولا عنواناً احتفالياً.
إنه استثمار مباشر في استقرار الدولة واقتصادها ومستقبلها.
ولا يكفي أن نقول للشباب: أنتم المستقبل.
الأهم أن نقول لهم:
أنتم جزء من الحاضر، ولكم مكان في صناعة القرار اليوم.
من أكثر ما يحتاج إلى مراجعة في خطابنا السياسي أن نعامل الاختلاف وكأنه خصومة.
الاختلاف طبيعي.
بل إن المجتمع الذي لا يختلف أفراده قد يكون مجتمعاً لا يناقش بما يكفي.
المشكلة ليست في أن نختلف، وإنما في كيف نختلف.
يمكن أن نختلف في الرأي ونبقى شركاء في الوطن.
يمكن أن ننتقد الحكومة دون أن نضعف الدولة.
يمكن أن نعارض قراراً دون أن نعارض الوطن.
يمكن أن نختلف داخل الحزب أو المؤسسة دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة شخصية.
وهذه هي الثقافة السياسية التي نحتاج إلى ترسيخها: حكومة تسمع، ومعارضة مسؤولة، ومواطن يشارك، وإعلام يسأل، ومؤسسات تعمل.
فالديمقراطية ليست أن يتفق الجميع، وإنما أن نمتلك القدرة على إدارة اختلافنا دون أن نخسر بعضنا بعضاً.
الاختلاف عندما يُدار بعقلانية يصبح قوة، وعندما يتحول إلى كراهية يصبح عبئاً على الجميع.
لا يمكن أن نتحدث عن الإصلاح السياسي بمعزل عن الثقة.
فالقوانين والمؤسسات مهمة، لكنها لا تعمل في فراغ.
هناك علاقة يومية بين المواطن ومؤسسات الدولة، وبين الناخب والسياسي، وبين المجتمع والحزب، وبين الجمهور والإعلام.
وكلما اتسعت المسافة بين ما يُقال وما يُمارس، تراجعت الثقة.
ولهذا فإن الإصلاح السياسي، في جوهره، ليس مجرد تعديل قوانين أو إطلاق مبادرات؛ بل هو أيضاً بناء علاقة أكثر صدقاً بين المواطن والمؤسسة.
الثقة لا تُطلب من المواطن بقدر ما تُبنى معه.
ولا تُفرض بخطاب، وإنما تُكتسب بالممارسة.
ومن هنا، فإن السياسة الناجحة ليست فقط التي تحقق النتائج، وإنما التي تجعل المواطن يرى كيف تحققت النتائج ولماذا.
هناك خطأ شائع في النظر إلى السياسة والاقتصاد باعتبارهما مجالين منفصلين.
لكن المواطن لا يعيش الاقتصاد في تقرير، ولا يعيش السياسة في خطاب.
هو يلتقي بالاثنين في حياته اليومية.
حين ترتفع كلفة المعيشة، تصبح المسألة اقتصادية واجتماعية.
وحين تضيق فرص العمل، تصبح المسألة اقتصادية وسياسية.
وحين يشعر شاب بأن مستقبله المهني مغلق، فإن القضية لا تتوقف عند حدود الوظيفة، بل تمتد إلى ثقته بالمؤسسات وقدرته على التخطيط لحياته.
لذلك فإن أي سياسة عامة جادة يجب أن تسأل:
كيف سيصل القرار إلى حياة المواطن؟
ليس فقط: كم سيكلف؟
وليس فقط: ماذا سيحقق؟
بل: من سيتأثر به؟ ومن سيستفيد منه؟ وما الذي سيحدث بعده؟
هذه الأسئلة هي التي تنقل السياسة من إدارة الأرقام إلى إدارة حياة الناس.
ولأنني أنظر إلى السياسة أيضاً من زاوية الإعلام، فإنني أرى أن التحول الأكبر الذي نواجهه اليوم لا يتعلق فقط بسرعة انتشار الأخبار، وإنما بسرعة صناعة الروايات.
في عصر الذكاء الاصطناعي، أصبح إنتاج النصوص والصور والأصوات والفيديوهات أكثر سهولة، وأصبحت الحدود بين الحقيقي والمصطنع أكثر تعقيداً.
وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال:
هل نخاف من الذكاء الاصطناعي؟
بل:
كيف نستخدمه دون أن نفقد الإنسان؟
نحتاج إلى تشريعات تواكب التكنولوجيا، ومؤسسات تفهمها، وشباب يتقنون أدواتها، وإعلام يعرف مخاطرها، وتعليم يهيئ الأجيال لعالم لم يعد يشبه عالم الأمس.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.
فالخوارزمية تستطيع إنتاج المحتوى، لكنها لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية عنه.
والذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل كميات هائلة من البيانات، لكنه لا يعفي الإنسان من مسؤولية التحقق والحكم.
ومن هنا يصبح الإعلام المهني أكثر أهمية، لا أقل.
فالمعلومة السريعة ليست بالضرورة معلومة صحيحة، والمعلومة الصحيحة بلا سياق قد تكون ناقصة، والتحليل بلا دليل قد يتحول إلى مجرد انطباع.
وفي زمن الذكاء الاصطناعي، يصبح التحقق من الحقيقة أحد أهم أشكال حماية الوعي العام.
أكثر ما يعنيني في تجربة أينشتاين ليس أنه كان عبقرياً، وإنما أنه لم يتعامل مع المعرفة باعتبارها شيئاً مغلقاً.
كان يسأل.
ويبحث.
ويشكك في المسلمات.
ويعيد التفكير.
وهذه الروح نحتاجها في حياتنا العامة.
نحتاج إلى مسؤول يستطيع أن يقول: ربما أخطأنا، فلنصحح.
ونحتاج إلى سياسي يقول: هذا رأي مخالف، فلنسمعه.
ونحتاج إلى إعلامي يقول: هذه المعلومة تحتاج إلى تحقق.
ونحتاج إلى مواطن يقول: قبل أن أحكم، أريد أن أفهم.
ونحتاج إلى شاب يقول: أريد أن أشارك، لا أن أكون مجرد متلقٍ للقرارات.
هذه ليست أحلاماً مثالية؛ إنها شروط أساسية لمجتمع يريد أن يتقدم.
فالمشكلة ليست أن نخطئ، وإنما أن نعتبر الاعتراف بالخطأ ضعفاً.
وليست المشكلة أن نختلف، وإنما أن نعتبر الاختلاف خيانة.
وليست المشكلة أن نعيد التفكير، وإنما أن نعتقد أن كل ما اعتدنا عليه يجب أن يبقى كما هو.
لا نحتاج إلى «أينشتاين سياسي»
لا أعتقد أن الأردن بحاجة إلى «أينشتاين سياسي» يحل مشكلاتنا بمعادلة سحرية.
ولا نحتاج إلى استنساخ تجربة دولة أخرى أو استيراد وصفات جاهزة.
ما نحتاجه أبسط وأعمق:
أن نتعلم كيف نفكر.
أن نضع الإنسان قبل الرقم.
والمصلحة العامة قبل المكاسب الضيقة.
والحوار قبل الخصومة.
والعمل قبل الشعارات.
والإنجاز قبل المبالغة في الوعود.
والدليل قبل الشائعة.
والسؤال قبل الحكم.
هذه هي الروح التي يمكن أن نستلهمها من أينشتاين.
في النهاية، لم يغير أينشتاين العالم لأنه امتلك إجابة لكل سؤال، بل لأنه امتلك الشجاعة لطرح أسئلة جديدة.
وهذه ربما إحدى أكثر القيم التي نحتاج إليها في حياتنا السياسية اليوم.
أن نسأل قبل أن نحكم.
أن نستمع قبل أن نقرر.
أن نراجع قبل أن نكرر.
وأن نمتلك شجاعة الاعتراف بأن بعض الإجابات التي نجحت بالأمس قد لا تكون صالحة للغد.
الأردن لا يحتاج إلى معجزات سياسية، بقدر ما يحتاج إلى تراكم حقيقي في الإصلاح، والإنجاز، والثقة، والمشاركة.
ولا يحتاج شبابه إلى مزيد من العبارات التي تخبرهم بأنهم المستقبل، بقدر ما يحتاجون إلى فرص حقيقية تجعلهم شركاء في صناعة الحاضر.
ولا يحتاج إعلامنا إلى سرعة أكبر فقط، بل إلى مهنية أعمق، وقدرة أكبر على التحقق، وشجاعة في طرح الأسئلة.
أما السياسة، فتحتاج قبل كل شيء إلى أن تتذكر أن المجتمع ليس رقماً في تقرير، وأن المواطن ليس رقماً في صندوق اقتراع، وأن الاختلاف ليس خصومة، وأن الإصلاح ليس شعاراً، وأن المستقبل لا ينتظر من يراقبه من بعيد.
فكما غيّر أينشتاين طريقة الإنسان في النظر إلى الكون، نحن اليوم بحاجة إلى أن نغيّر طريقة نظرنا إلى السياسة؛ لأن العالم يتغير، ومن لا يغيّر طريقة تفكيره، سيجد نفسه يعيش في المستقبل بعقل الماضي.









