بقلم: آلاء سلهب التميمي
لم تعد الصحافة في فلسطين مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت مواجهة يومية مع الموت، واختبارًا دائمًا للقدرة على الصمود في وجه آلة القمع والعنف.
فالصحفي الفلسطيني لا يحمل الكاميرا أو الميكروفون فقط، بل يحمل روحه على كفه وهو يلاحق الحقيقة وسط الرصاص والقصف والاعتقالات والانتهاكات المتكررة.
ومن بين الأسماء التي تحولت إلى رمز عالمي لمعاناة الصحفيين الفلسطينيين، برز اسم الصحفية الشهيدة شيرين أبو عاقلة، التي اغتيلت أثناء أداء واجبها المهني، لتكشف للعالم حجم الخطر الذي يهدد حرية الصحافة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
لقد شكّل استهداف شيرين أبو عاقلة صدمة إنسانية وإعلامية عالمية، ليس فقط لأنها صحفية مخضرمة عُرفت بمصداقيتها ومهنيتها العالية، بل لأن اغتيالها جرى أمام عدسات الكاميرات وأثناء ارتدائها الزي الصحفي الواضح الذي يحمل كلمة “PRESS”، ما يؤكد أن الصحفي الفلسطيني أصبح هدفًا مباشرًا لمجرد نقله الحقيقة.
إن الجريمة التي طالت شيرين ليست حادثة فردية أو استثناءً عابرًا، بل تأتي ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات بحق الصحفيين الفلسطينيين، الذين يتعرضون بشكل متكرر لإطلاق النار، والاعتقال، والمنع من التغطية، ومصادرة المعدات، والاعتداء الجسدي والنفسي.
وقد أظهرت دراسات ميدانية أن الصحفيين الفلسطينيين يعيشون مستويات مرتفعة من التوتر النفسي بسبب طبيعة عملهم في مناطق المواجهات، وأن هذا التوتر ينعكس بشكل مباشر على أدائهم المهني وصحتهم النفسية والجسدية.
كما أكدت الدراسات أن كثيرًا من الصحفيين يواصلون عملهم بدافع الرسالة الوطنية والإنسانية رغم المخاطر الكبيرة التي تحيط بهم.
وفي الواقع، فإن خطورة عمل الصحفي الفلسطيني لا تكمن فقط في احتمالية الإصابة أو الاستشهاد، بل تمتد إلى الآثار النفسية العميقة الناتجة عن مشاهدة الدماء والدمار والجثامين بشكل يومي خصوصاً في قطاع غزة.
فالصحفي في فلسطين لا يغطي حدثًا بعيدًا عنه، بل يعيش المأساة ذاتها التي ينقلها، ويكون أحيانًا شاهدًا وضحية في الوقت نفسه.
وقد بيّنت الدراسات أن غياب الدعم النفسي والتدريب المهني يزيد من حجم المعاناة التي يتعرض لها الصحفيون الميدانيون.
وإذا كانت المواثيق الدولية قد نصّت بوضوح على حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة باعتبارهم مدنيين، فإن الواقع في فلسطين يكشف حجم العجز الدولي في تطبيق تلك القوانين، وسط استمرار الإفلات من العقاب للكيان الصهيوني الغاشم.
فكل جريمة تمرّ دون مساءلة حقيقية تمنح الضوء الأخضر لمزيد من الانتهاكات بحق الإعلاميين، وتحوّل الصحافة إلى مهنة محفوفة بالموت.
إن حماية الصحفيين الفلسطينيين لم تعد مطلبًا مهنيًا فقط، بل أصبحت ضرورة إنسانية وأخلاقية وقانونية.
فحرية الصحافة لا يمكن أن تتحقق في ظل استهداف من ينقل الحقيقة، ولا يمكن للعالم أن يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان بينما يُقتل الصحفيون أمام مرأى الجميع دون محاسبة.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة لتحرك دولي حقيقي يضمن حماية الصحفيين الفلسطينيين وقطاع غزة، عبر تشكيل لجان تحقيق مستقلة في الجرائم المرتكبة بحقهم، ومحاسبة المسؤولين عنها، وتوفير الحماية القانونية والميدانية للصحفيين العاملين في مناطق النزاع، إضافة إلى دعمهم نفسيًا ومهنيًا، وتوفير أدوات السلامة اللازمة لهم.
رحلت شيرين أبو عاقلة جسدًا، لكنها بقيت رمزًا لصوت الحقيقة الذي لا يُقتل. وستظل قصتها شاهدة على أن الصحفي الفلسطيني لا ينقل الحكاية فقط، بل يكتبها بدمه أحيانًا، دفاعًا عن الحقيقة وحق الشعوب.






