بقلم: هند عمر – مرشدة تربوية وأخصائية نفسية
التحرش ليس سلوكًا عابرًا يمكن تجاهله، فقد يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، خصوصًا لدى الأطفال والمراهقين. ولهذا فإن مواجهته لا ينبغي أن تبدأ بعد وقوع الحادثة، بل من خلال الوقاية وبناء الوعي وتعزيز ثقافة تحترم الإنسان وحدوده وكرامته.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الوقاية من العنف لا تعني فقط أن نعلّم الشخص كيف يحمي نفسه، بل أن نعمل على بناء بيئة آمنة تحترم الجميع. ويشمل ذلك تعليم الأبناء مهارات التواصل واحترام الحدود الشخصية، وتمكينهم من التعبير عن الرفض وطلب المساعدة، إلى جانب مواجهة الأفكار التي قد تبرر التحرش أو تلقي اللوم على من تعرض له. وهذا ما يؤكده إطار *RESPECT Women* الذي طورته منظمة الصحة العالمية للوقاية من العنف.
وتبدأ الوقاية من الأسرة، عندما يتعلم الطفل منذ الصغر أن لجسده خصوصية، وأن من حقه رفض أي سلوك يجعله يشعر بعدم الارتياح، وأن طلب المساعدة ليس عيبًا. ثم تأتي المدرسة لتدعم هذا الوعي من خلال الحوار والإرشاد وتوفير بيئة يستطيع فيها الطالب الحديث عن أي موقف يثير خوفه أو قلقه دون أن يخشى اللوم أو السخرية.
كما أن الوقاية اليوم يجب أن تشمل العالم الرقمي. فقد انتقلت بعض أشكال التحرش والإساءة إلى الرسائل الخاصة ومواقع التواصل والصور والحسابات الوهمية والابتزاز الإلكتروني. وتشير الدراسة الوطنية حول العنف ضد الأطفال في الأردن، التي أعدتها اليونيسف عام 2021، إلى أهمية تعزيز منظومة حماية الأطفال والتعامل مع أشكال العنف التي قد يتعرضون لها، بما فيها العنف المرتبط بالبيئة الرقمية.
ولا تقتصر الوقاية على حماية من قد يتعرض للتحرش، بل تشمل أيضًا تربية الأبناء على احترام حدود الآخرين.
ومن هنا، فإن الوقاية ليست محاضرة تُقدم مرة واحدة، وإنما ثقافة مستمرة تبدأ من البيت، وتترسخ في المدرسة، ويشارك فيها المجتمع بأكمله. فالمدرسة الآمنة ليست المدرسة التي لا تحدث فيها مشكلات، وإنما المدرسة التي يعرف فيها الطالب إلى من يلجأ عندما يشعر بالخوف أو التهديد، ويجد من يستمع إليه ويتعامل مع شكواه بجدية وخصوصية.
ومن واقع عملي في الإرشاد التربوي، أرى أن الحوار الواعي من أقوى أدوات الوقاية. أن نعلّم أبناءنا أن يقولوا «لا»، وأن يحترموا «لا» التي يسمعونها من الآخرين، وأن يطلبوا المساعدة عندما يحتاجون إليها، وأن يدركوا أن حماية أنفسهم لا تنفصل عن احترام الآخرين.
فالوعي لا يلغي وجود الخطر، لكنه يمنح أبناءنا القدرة على التعرف إليه، ورفضه، وطلب المساعدة في الوقت المناسب. ومن هنا تبدأ الوقاية الحقيقية.









