×
آخر الأخبار

أماني قاسم تكتب : المهندس زياد صلاح ذاكرة وطن وعطاء بلا ضجيج

أماني قاسم تكتب : المهندس زياد صلاح ذاكرة وطن وعطاء بلا ضجيج
22 الإعلامي   -

بقلم : أماني قاسم 

هناك رجال تمر أسماؤهم في صفحات العمل بصمت لكن آثارهم تبقى حاضرة في المكان وهناك تجارب لا يمكن اختصارها في مسمى وظيفي أو مجموعة من المشاريع لأن وراء كل إنجاز إنسانا حمل مسؤولية عمله وعاش تفاصيله واحتفظ في ذاكرته بحكايات مرحلة كاملة

اليوم السابع عشر من أيلول عام 2026 التقيت المهندس زياد صلاح في لقاء أخذني إلى مساحة مختلفة من الحديث عن البناء والعمل فقد كان الحديث عن مشاريع وطنية مهمة لكنه سرعان ما تجاوز أسماء المشاريع إلى الإنسان الذي عاش تفاصيلها وحمل معه من تلك السنوات ذاكرة لا تزال نابضة

كان للمهندس زياد صلاح دور في تنفيذ عدد من المشاريع المهمة في الأردن من بينها مسجد الملك المؤسس عبدالله الأول وجامعة مؤتة ومدارس البكالوريا إلى جانب مشاريع أخرى ارتبطت بمراحل من مسيرة البناء والعمل في المملكة

لكن الوقوف عند هذه المشاريع وحدها لا يمنح القارئ الصورة الكاملة فالمشاريع التي نراها اليوم قائمة وماثلة أمامنا كانت في وقت من الأوقات تفاصيل على الورق ومواقع عمل وجهدا يوميا وتحديات ومسؤوليات وفرق عمل وأشخاصا وضعوا خبراتهم ووقتهم في سبيل إنجازها

ومن هنا اكتسب الحديث مع المهندس زياد بعدا آخر فقد بدا أن السنوات المهنية بالنسبة له لم تكن مجرد مرحلة انتهت بانتهاء المشروع بل بقيت حاضرة في الذاكرة بما حملته من وجوه وأماكن ومواقف وتجارب

كان الحنين واضحا في حديثه لكنه لم يكن حنينا إلى الماضي لمجرد الماضي بل إلى مرحلة ارتبطت بسنوات من العمل وإلى أشخاص شاركوه تفاصيلها وإلى أماكن تركت في داخله أثرا لا تمحوه السنوات

وكانت نابلس وعمان حاضرتين في الحديث بما تحمله كل منهما من معنى في تجربته الشخصية والمهنية فحين ترتبط المدن بسنوات الإنسان تصبح الجغرافيا جزءا من الذاكرة وتتحول الأماكن من مجرد مواقع إلى حكايات يعيشها الإنسان مرة أخرى كلما استعاد تفاصيلها

ومن أكثر ما استوقفني في اللقاء حديثه عن والدته وعن رضا الوالدين فقد ظهر هذا المعنى في حديثه كقيمة أصيلة لا كعبارة عابرة وكان واضحا أن أثر الأم في حياته لم يرتبط بمرحلة زمنية محددة بل امتد إلى نظرته للحياة والعمل وما يحمله الإنسان من مبادئ ترافقه أينما ذهب

وفي زمن أصبحت فيه الإنجازات تقاس كثيرا بما يظهر للناس تبرز قيمة مختلفة حين يتحدث إنسان عن الخير الذي قدمه بعيدا عن الأضواء

فقد تحدث المهندس زياد عن مساهمته في تعليم عدد كبير من الطلبة وعن مساعدته لأشخاص لم يكن يعرف أسماء بعضهم وهو جانب من تجربته يكشف أن العطاء بالنسبة إليه لم يكن مرتبطا بالشهرة أو التقدير بقدر ما كان مرتبطا بفكرة أن منح الإنسان فرصة للتعلم قد يكون من أعمق أشكال المساعدة التي يمكن تقديمها

فالمال قد ينتهي أثره لكن التعليم يفتح للإنسان بابا جديدا وقد تكون المساعدة التي يقدمها شخص في لحظة معينة سببا في أن يكمل طالب طريقه ويبني مستقبله وربما لا يعرف صاحب المساعدة بعد سنوات ماذا أصبح ذلك الطالب ولا أين أخذته الحياة

وهنا تتجلى قيمة العطاء الصامت ذلك العطاء الذي لا يبحث عن صورة ولا ينتظر تصفيقا ولا يحتاج إلى إعلان حتى يكون حقيقيا

وحين نضع هذا الجانب الإنساني إلى جانب مسيرته المهنية تصبح الحكاية أكثر اتساعا فهناك مشاريع كان له دور في تنفيذها وبقيت جزءا من المشهد الأردني وهناك ذكريات حملها معه من سنوات العمل وهناك مساعدات اختار أن تبقى بعيدة عن الضوء

وهذا ما يجعل توثيق تجارب أصحاب الخبرة أهمية تتجاوز توثيق المشاريع نفسها لأن ذاكرة الوطن لا تسكن في الحجر وحده بل تسكن أيضا في ذاكرة الإنسان الذي شارك في صناعة مراحلها

قد يبقى المبنى شاهدا على مرحلة لكن تفاصيل من عملوا فيه لا تظهر على جدرانه وقد يبقى اسم المشروع معروفا لعقود بينما تختفي أسماء كثيرة شاركت في تنفيذه ومع ذلك فإن لكل واحد منهم حكاية تستحق أن تسمع

ومن هنا كان لقائي بالمهندس زياد صلاح محاولة للإنصات إلى هذه الذاكرة والاقتراب من تجربة إنسانية ومهنية تحمل في تفاصيلها معنى العمل والوفاء والحنين والعطاء

فالحديث عن الشخصيات التي شاركت في مسيرة البناء ليس استعادة للماضي فحسب بل هو حفظ لجانب من الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة حتى تعرف أن خلف كل مشروع قصة وخلف كل قصة أشخاصا بذلوا من وقتهم وجهدهم وخبرتهم ما أسهم في تشكيل المكان الذي نراه اليوم

المهندس زياد صلاح تشرفت بمعرفتك والاستماع إلى جانب من تجربتك والوقوف عند ذكريات حملتها سنوات طويلة

وشكرا لك على ما شاركتني به من تفاصيل وعلى تلك المساحة الإنسانية التي جعلت الحديث يتجاوز حدود المهنة إلى قيم أعمق تتصل بالوالدين والعطاء والتعليم والوفاء للمكان

تبقى بعض المشاريع شاهدة على تاريخ الوطن وتبقى بعض الأعمال شاهدة على أصحابها لكن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه هو أثر لا يحتاج إلى ضجيج كي يبقى

وتبقى حكايات أصحاب التجارب جزءا من الذاكرة التي تستحق أن توثق قبل أن تأخذ السنوات معها كثيرا من التفاصيل التي لا تحفظها الكتب ولا تسجلها المشاريع.