بقلم: د. تهاني رفعت بشارات
أحياناً لا يكون الرحيل خسارة، بل نجاة.
ولا يكون ابتعاد بعض الأشخاص عن حياتنا فراغاً ، بل مساحةً واسعةً أعادتها الحياة إلينا بعد أن أخذها منها من لم يعرف قيمتها.
ابتعد عن كل ما يؤذيك، مهما كان قريباً من قلبك، ومهما كانت بينك وبينه حكايات طويلة، وذكريات جميلة، وأيام ظننتَ أنها لا تتكرر.
ابتعد عن كل علاقة تجعلك تخسر نفسك وأنت تحاول الاحتفاظ بها، وعن كل شخص يجعلك تشك في قيمتك، ويطفئ فيك شيئاً من نورك كلما اقتربت منه.
فليس كل ما نحبه يستحق أن نبقى من أجله، وليس كل من نشتاق إليه يستحق أن نعود إليه.
هناك أشخاص دخلوا حياتنا كأنهم وعدٌ جميل، ثم اكتشفنا بعد وقت أنهم كانوا درساً لا أكثر.
وهناك من ظننا أنهم وطن، فإذا بهم محطة عابرة.
ومن حسبناهم سنداً، فإذا بهم أول من يتركنا حين نحتاج إلى كتف نستند إليه.
ومع ذلك… اشكر الذين آذوك.
نعم، اشكرهم، لا لأن الألم جميل، ولا لأن الخذلان يستحق الامتنان، وإنما لأن بعض الجراح تكشف لنا ما لم تكن أعيننا قادرة على رؤيته.
اشكر من خذلك؛ لأنه علّمك ألا تمنح ثقتك بلا حدود.
اشكر من كسرك؛ لأنه جعلك تكتشف أنك قادر على أن تجمع شتاتك بنفسك.
اشكر من أدار ظهره لك؛ لأنه علّمك أن بعض الأبواب التي تُغلق في وجوهنا ليست عقوبة، بل حماية.
واشكر من جعلك تبكي؛ لأنه ربما كان السبب في أن تتعلم كيف تصنع من دموعك ماءً تسقي به شجرة قوتك.
فبعض الأشخاص يشبهون الريح العاصفة؛ يدخلون حياتنا فيبعثرون أوراقها، لكنهم يكشفون لنا في الوقت نفسه ما كان هشّاً، وما كان يحتاج إلى أن نعيد ترتيبه.
اختر نفسك دائماً.
ليس أنانية أن تختار نفسك بعد سنوات من استنزافها من أجل الآخرين.
وليس غروراً أن تقول: "هذا يؤذيني، ولذلك سأبتعد."
وليس قسوة أن تضع حدوداً تحمي قلبك.
القسوة الحقيقية أن تعرف أنك تتألم، ثم تُصرّ على البقاء في المكان نفسه، وكأنك تعاقب نفسك على خطأ لم ترتكبه.
أنت تستحق في هذه الحياة شيئاً مميزاً.
تستحق الحب الذي لا يجعلك خائفاً من الغد.
تستحق الاحترام الذي لا تحتاج إلى التوسل من أجله.
تستحق الأمان الذي لا يجعلك تقضي لياليك في تفسير الكلمات والمواقف.
تستحق شخصاً يرى وجودك نعمة، لا عبئاً.
تستحق علاقة تشبه البيت؛ تعود إليها فتشعر بالطمأنينة، لا علاقة تشبه ساحة معركة تدخلها كل يوم وأنت تحمل درعاً وسيفاً.
لا تقبل أن تكون في علاقة عليك فيها أن تثبت أنك تستحق الحب كل يوم.
الحب الحقيقي لا يجعلك تمشي على أطراف قلبك خوفاً من غضب أحدهم.
ولا يجعلك تراقب كلماتك حتى لا تُساء قراءتها.
ولا يجعلك دائماً في حالة دفاع عن نفسك.
الحب الحقيقي لا يسرق منك سلامك.
واعلم أنك تخون نفسك حين تُصرّ على علاقة تؤذيك.
حين تعرف أن الطريق يحرق قدميك ثم تواصل السير فيه، فأنت لا تثبت وفاءك للطريق؛ أنت تؤذي نفسك.
وحين تمنح فرصة جديدة لشخص خذلك مراراً، لا لأنك رأيت تغييراً حقيقياً، وإنما لأنك اشتقت إليه، فأنت أحياناً لا تمنح فرصة للآخر… بل تحرم نفسك من فرصة النجاة.
وحين تشتاق إلى شخص كسرك وأذاك، تذكّر أن الاشتياق ليس دليلاً على أن العودة صحيحة.
نشتاق أحياناً إلى الذكريات، لا إلى الأشخاص.
نشتاق إلى النسخة الجميلة من العلاقة، إلى الأيام الأولى، إلى الضحكات، إلى الرسائل، إلى اللحظات التي جعلتنا نشعر أننا مهمون.
لكن الإنسان لا ينبغي أن يعود إلى مكانه فقط لأن فيه ذكرى جميلة.
فلا أحد يعود إلى بيت احترق لأنه كان يوماً دافئاً.
بعض العلاقات تنتهي، ليس لأن الحب لم يكن موجوداً، وإنما لأن الاستمرار فيها أصبح مؤذياً.
وهنا يجب أن نتعلم واحدة من أصعب قواعد الحياة:
ليس كل ما نحبّه يجب أن نحتفظ به.
هناك أشياء جميلة، لكن استمرارها يؤذينا.
وهناك أشخاص أحببناهم بصدق، لكن قربهم لم يعد صالحاً لقلوبنا.
وهناك علاقات كانت رائعة في وقتها، ثم تغيرت الظروف، وتغير الناس، وتغيرت نحن أيضاً.
وهذا طبيعي.
فنحن لسنا نسخاً ثابتة من أنفسنا، والناس كذلك.
نحن مراحل في حياة بعضنا البعض.
قد يكون شخص ما جاء إلى حياتك ليعلّمك معنى الحب، ثم غادر.
وقد يأتي آخر ليعلّمك معنى الكرامة.
وثالث ليجعلك أكثر قوة.
ورابع ليكشف لك قيمة نفسك بعد أن كنت تجهلها.
ليس مطلوباً من كل شخص دخل حياتك أن يبقى فيها إلى الأبد.
بعض الأشخاص خُلقوا ليكونوا فصلاً، لا الكتاب كله.
وبعضهم كانوا محطة، لا نهاية الرحلة.
وبعضهم كانوا سؤالاً طويلاً، جاءت الأيام بالإجابة عنه متأخرة.
فلا تحزن كثيراً على نهاية فصل جميل؛ فربما كان أجمل ما فيه أنه انتهى في الوقت الذي كان ينبغي أن ينتهي فيه.
لكن إن كنا مراحل في حياة بعضنا البعض، فلنجعل هذه المراحل جميلة.
اتقوا الله في الناس.
لا تدخلوا حياة إنسان وأنتم تعلمون أنكم غير قادرين على احترام قلبه.
لا تمنحوا الوعود وأنتم لا تنوون الوفاء بها.
لا تستخدموا مشاعر الآخرين وسيلة لقتل الملل أو ملء الفراغ أو إثبات الذات.
لا تقولوا "أحبك" إن كانت الكلمة عندكم مجرد وسيلة للاحتفاظ بشخص قريب.
لا تمنحوا الأمان ثم تسحبونه بلا رحمة.
لا تجعلوا إنساناً يعتاد وجودكم، ثم تختفون حين يصبح وجودكم بالنسبة إليه ضرورة.
اتقوا الله في القلوب؛ فهي ليست ألعاباً.
فربما كلمة منك جعلت إنساناً يبتسم طوال يومه، وربما كلمة أخرى منك جعلته يقضي ليلته وهو يسأل نفسه: "ما الذي فعلته لأُعامل هكذا؟"
وما أقسى أن يكون الإنسان سبباً في جرح قلب كان يظن أنه آمن معه.
لذلك، إن لم تستطع أن تكون جميلاً في حياة أحد، فلا تكن مؤذياً.
وإن لم تستطع أن تبقى، فارحل بكرامة.
وإن تغيرت مشاعرك، فكن صادقاً.
وإن انتهت العلاقة، فلا تحوّلها إلى حرب.
ارحل دون أن تهدم ما كان جميلاً.
فالناس لا يحتاجون دائماً إلى أن تبقى معهم، لكنهم يحتاجون أن تتذكر أنهم كانوا يوماً جزءاً من حياتك، وأنك كنت جزءاً من حياتهم.
وإذا اضطررت إلى الرحيل، فارحل كما تغادر الشمس آخر النهار؛ تترك خلفها بعض الدفء، لا الرماد.
ولا تجعل الخلافات تمحو كل الخير الذي كان.
فليس من العدل أن نحاكم سنوات كاملة بسبب لحظة واحدة، كما أنه ليس من الحكمة أن نبرر سنوات من الأذى بسبب بعض اللحظات الجميلة.
التوازن هو الحكمة.
سامح، لكن لا تعد بالضرورة.
تجاوز، لكن لا تنسَ الدرس.
احترم الماضي، لكن لا تسكن فيه.
اشتق، لكن لا تجعل الاشتياق يقودك إلى المكان الذي خرجت منه مكسوراً.
وتذكر دائماً:
المسامحة لا تعني إعادة فتح الباب.
يمكنك أن تسامح شخصاً وتسير في طريقك.
يمكنك أن تتمنى له الخير من بعيد.
يمكنك أن تضع نهاية هادئة لقصة كانت يوماً مهمة جداً بالنسبة إليك.
فالسلام أحياناً لا يأتي عندما نحصل على اعتذار، وإنما عندما نتوقف عن انتظار الاعتذار.
ولا تجعل رغبتك في أن يفهمك الآخرون سبباً لاستمرارك في علاقة تستنزفك.
بعض الناس لن يفهموا ألمك، مهما شرحت.
وبعضهم لن يقدّر قيمتك، مهما أعطيت.
وبعضهم لن يروا ما فعلوه بك، لأنهم ببساطة لم ينظروا إلى الأمور إلا من زاوية أنفسهم.
وهنا يأتي دورك أنت:
أن تعرف قيمتك دون أن تنتظر من أحد أن يخبرك بها.
لا تجعل شخصاً واحداً يحدد مقدار استحقاقك للحب.
لا تجعل خذلان إنسان واحد يجعلك تشك في كل البشر.
ولا تجعل تجربة سيئة تقنعك بأن الحياة كلها سيئة.
فالوردة التي ذبلت في يد شخص لا يعني أنها بلا عطر.
أحياناً المشكلة ليست في قيمتك، وإنما في المكان الذي وضعت نفسك فيه.
لذلك، حين تجد نفسك في علاقة تستنزف روحك، اسأل نفسك بصدق:
هل أنا سعيد هنا؟
هل أشعر بالأمان؟
هل أستطيع أن أكون نفسي؟
هل يتم احترام حدودي ومشاعري؟
هل هذه العلاقة تضيف إلى حياتي أم تستهلكني؟
هل أنا باقٍ لأنني أحب، أم لأنني أخاف من الرحيل؟
وقد تكون الإجابة مؤلمة… لكنها ضرورية.
فليس كل رحيل هزيمة.
أحياناً يكون الرحيل أول انتصار حقيقي لك.
أن تقول: "كفى."
أن تضع حداً للأذى.
أن تختار سلامك.
أن تستعيد نفسك التي أضعتها وأنت تحاول إرضاء الآخرين.
هذه ليست أنانية.
هذه نجاة.
وفي نهاية المطاف، ستدرك أن أجمل علاقة يمكن أن تبنيها هي علاقتك بنفسك.
أن تحبها دون غرور، وتحميها دون قسوة، وتسامحها على أخطائها، وتمنحها فرصة جديدة كلما تعثرت.
فلا أحد سيعيش معك كل تفاصيل حياتك كما ستعيشها أنت.
وسيأتي يوم تنظر فيه إلى كل الذين مروا في حياتك، فتبتسم لبعضهم، وتشكر بعضهم، وتسامح بعضهم، وتتجاوز بعضهم… ثم تدرك أن كل شخص كان يحمل رسالة، وأن بعض الرسائل كانت جميلة، وبعضها كان مؤلماً، لكنها جميعاً ساهمت في تشكيل الإنسان الذي أصبحت عليه.
لذلك…
ابتعد عما يؤذيك.
اشكر من علّمك، حتى لو كان تعليمه مؤلماً.
اختر نفسك، لأنك تستحق الحب والاحترام والأمان.
لا تعُد إلى من كسرك لمجرد أنك اشتقت إليه.
لا تخلط بين الحنين وبين صلاحية العودة.
ولا تجعل قلبك ساحةً مفتوحة لمن لا يعرف قيمة ما تمنحه.
وإذا كنت أنت الشخص الذي يعبر حياة الآخرين، فتذكّر أن لك أثراً في قلوبهم.
فإما أن تكون ذكرى جميلة، أو درساً مؤلماً.
فاختر أن تكون جميلاً.
اتقِ الله فيمن أحبك، وفيمن وثق بك، وفيمن فتح لك قلبه، وفيمن وضع بين يديك جزءاً من ضعفه الإنساني.
واجعل مرورك في حياة الآخرين كمرور المطر على الأرض العطشى؛
إن لم تستطع أن تجعلها حديقة، فلا تكن سبباً في أن تصبح صحراء.
فنحن فعلاً مراحل في حياة بعضنا البعض…
فاجعلوا المراحل جميلة،
والقلوب آمنة،
والرحيل كريماً،
والكلمة طيبة،
والعلاقات نقية،
والأثر جميلاً.
فإنما الإنسان أثر…
فاختر أيَّ أثرٍ تريد أن تتركه خلفك.









