بقلم : هنادي خضر
أن تبقى واقفًا أمام حقيقتك، بكل تناقضاتها، بكل ضعفها وقوتها، بكل ما أخفيته عن الآخرين وحتى عن نفسك، وأن تتعلّم أن تتقبّل الإنسان الذي تراه هناك.
فأصعب مواجهة ليست مع العالم، بل مع ذاتٍ تعرف عنك كل شيء، تعرف خوفك، وانكسارك، وأخطاءك، والأشياء التي حاولت طويلًا أن تنساها… ومع ذلك، لا يمكنك أن تكذب عليها.
هناك، حين تسقط كل الأقنعة، لا يبقى أمامك سوى أنت.
أنت، بكل ما حاولت أن تبدو عليه، وبكل ما عجزت عن أن تكونه. بكل الكلمات التي قلتها لتخفي صمتك، وبكل الصمت الذي احتميت به حين عجزت الكلمات عن إنقاذك.
تكتشف، في لحظة صدقٍ نادرة، أنك لم تكن دائمًا ذلك الشخص الذي ظننت أنك عليه، وأن بعض القناعات التي دافعت عنها لم تكن سوى جدرانٍ بنيتها حول هشاشتك، وأن بعض المواقف التي اتخذتها لم تكن شجاعة، بل خوفًا ارتدى هيئة الكبرياء.
تكتشف أنك سامحت الآخرين على أشياء لم تستطع أن تسامح نفسك عليها، وأنك منحتهم أعذارًا لم تمنحها يومًا لقلبك، وأنك كنت قاسيًا على نفسك أكثر مما ينبغي، وكأنك تنتظر منها أن تكون كاملة في عالمٍ لا يعرف الكمال.
التعرّي أمام الذات ليس لحظة انكشاف فحسب، بل لحظة سقوط كل الأكاذيب التي جعلتنا قادرين على الاستمرار.
أن تعترف بأنك لم تتجاوز كل ما ادّعيت تجاوزه، وأن بعض الأوجاع ما زالت تسكنك، وإن مرّت عليها السنوات. أن تعترف بأنك تشتاق أحيانًا لمن لا تريد عودته، وأنك تحزن على أشياء لم تعد ترغب فيها، وأن في داخلك نسخًا قديمة منك ما زالت تنتظر اعتذارًا لم يصل.
أن تدرك أن النضج لا يعني أن تتخلّص من تناقضاتك، بل أن تمتلك الشجاعة الكافية لتنظر إليها دون أن تهرب، وأن تفهم أن الإنسان قد يحمل في قلبه النقيضين معًا؛ أن يكون قويًا وهشًّا، واثقًا ومترددًا، ممتلئًا بالحياة ومثقلًا بالتعب.
وأن هذا لا يجعله زائفًا، بل يجعله إنسانًا.
لكن أكثر ما يؤلم في هذه المواجهة، أنك لن تستطيع تغيير الماضي، ولا إعادة صياغة الكلمات التي جرحت بها أحدًا، ولا استرداد اللحظات التي خذلت فيها نفسك، ولا العودة إلى تلك النسخة منك التي كانت تحتاج إلى يدٍ تمتد إليها، بينما كنت أنت أول من تخلى عنها.
كل ما تستطيع فعله هو أن تنظر إلى كل ذلك بصدق، دون أن تحوّل الندم إلى سجن، أو تجعل أخطاءك تعريفًا أبديًا لنفسك.
فأنت لست أسوأ ما فعلت، ولست كل ما عجزت عن فعله، ولست تلك اللحظة التي انكسرت فيها، ولا ذلك القرار الذي تتمنى لو أنك لم تتخذه.
أنت أيضًا كل مرة حاولت فيها النهوض، وكل مرة قاومت فيها رغبتك في الاستسلام، وكل مرة اخترت فيها أن تكون أكثر صدقًا، حتى وإن كان الصدق مؤلمًا.
ولعلّ أعمق أشكال التصالح مع الذات أن تتوقف عن محاكمة الإنسان الذي كنته، وأن تبدأ بفهمه.
أن تسأله: لماذا فعلت ذلك؟ بدلًا من أن تكتفي بلومه. أن تنصت إلى خوفه، وأن تفهم حاجته، وأن تدرك أنه ربما لم يكن يعرف آنذاك ما تعرفه اليوم، وأنه اتخذ بعض قراراته بما امتلكه من وعي، لا بما امتلكته أنت لاحقًا من ندم.
فليس كل ما فينا يستحق الإدانة، وليس كل ما نخجل منه يستحق الإنكار.
بعض الأشياء تحتاج إلى شجاعة الاعتراف، وبعضها يحتاج إلى شجاعة التغيير، وبعضها الآخر يحتاج فقط إلى أن نكفّ عن معاقبة أنفسنا عليه.
وفي نهاية المطاف، ستدرك أن التعرّي أمام الذات لا يعني أن تحبّ كل ما تراه، ولا أن تبرّر كل ما فعلته، بل أن تمتلك الشجاعة لتراه كما هو، وأن تتحمّل مسؤولية تغييره دون أن تفقد رحمتك بنفسك.
أن تقف أمام حقيقتك عاريًا من التبريرات، لا لتجلد ذاتك، بل لتتحرّر منها؛ من صورتها المثالية التي أتعبتك، ومن أحكامها القاسية التي أثقلتك، ومن حاجتها الدائمة إلى أن تبدو على نحوٍ مختلف عمّا تشعر به.
ففي اللحظة التي تكفّ فيها عن الهرب من نفسك، تبدأ للمرة الأولى بالعودة إليها.
وربما لا يكون السلام أن تصل إلى نسخةٍ لا تخطئ منك، ولا أن تتخلّص من كل ندوبك، ولا أن تصبح شخصًا لا تهزّه الحياة…
ربما يكون السلام أبسط من ذلك بكثير.
أن تجلس مع نفسك في نهاية يومٍ طويل، دون أن تحتاج إلى تبرير شيء، أو إخفاء شيء، أو إثبات شيء.
أن تنظر إلى ذلك الإنسان الذي أمامك، بكل ما فيه من نقصٍ وتعبٍ وتناقض، ثم تقول له، للمرة الأولى بصدق:
لقد رأيتك كما أنت…
عرفتُ ما أخفيت، وفهمتُ ما عجزت عن قوله، ولم أعد أرغب في الهرب منك.
لن أعدك بأنني لن أخطئ مجددًا، لكنني أعدك ألّا أتخلّى عنك كلما أخطأت.
فأنت، في النهاية، لست الشخص الذي يراك العالم، ولا الصورة التي تحاول أن تحافظ عليها أمام الآخرين…
أنت ذلك الإنسان الذي تبقى معه حين يغادر الجميع.
وذلك الذي، مهما أتقنت خداع العالم، لن تستطيع أن تخدعه.
لأن أقسى أنواع الوحدة ليست أن تكون وحيدًا بين الناس…
بل أن تكون غريبًا عن نفسك، وأن تقضي عمرك كله تحاول أن تكون شخصًا آخر، هربًا من الشخص الوحيد الذي لا يمكنك مغادرته: أنت
اسم الكاتب : هنادي خضر
هنادي خضر تكتب : التعرّي أمام الذات
الأربعاء - pm 08:12 | 2026-09-30
22 الإعلامي -









