بقلم: آلاء سلهب التميمي
هناك لحظات لا تنتهي بانتهاء يومها، لأن التاريخ يحتفظ بها كلما احتاجت الأمم إلى تذكير نفسها بما تستطيع أن تصنعه الإرادة.
الثاني من تشرين الأول عام 1187 واحد من تلك الأيام.
في ذلك اليوم، دخل صلاح الدين الأيوبي القدس بعد نحو تسعين عامًا من الاحتلال الصليبي، فعادت المدينة إلى الحكم الإسلامي، وعاد المسجد الأقصى إلى قلب المشهد الذي ظل حاضرًا في وجدان المسلمين عبر القرون.
لكن القدس لم تُستعد في يوم واحد.
قبل صلاح الدين، كان عماد الدين زنكي قد وضع أساسًا لمشروع يقوم على توحيد القوى الإسلامية في الشام ومواجهة الإمارات الصليبية.
ثم جاء نور الدين محمود، فواصل الطريق، وعمل على توحيد الجبهة الداخلية واستعادة المدن والقلاع، حتى أصبح مشروع القدس جزءًا من رؤية أوسع لبناء قوة قادرة على تغيير ميزان المنطقة.
توفي نور الدين سنة 569هـ قبل أن يرى حلمه مكتملًا.
ثم جاء صلاح الدين.
وهنا تبدأ الحكاية التي جعلت اسمه واحدًا من أكثر الأسماء حضورًا في التاريخ.
لم يبدأ صلاح الدين من أسوار القدس، وإنما بدأ من حيث تبدأ المشاريع الكبرى: من الداخل.
عمل على توحيد مصر والشام، وواجه الصراعات التي كانت تستنزف المنطقة، وبنى قوة سياسية وعسكرية جعلت مواجهة الممالك الصليبية ممكنة.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن تحرير القدس كان هدفًا حاضرًا في مشروعه، كما كان لدى نور الدين من قبله.
ثم جاءت حطين.
في الرابع من تموز 1187، واجه صلاح الدين الجيش الصليبي في معركة حاسمة غيّرت ميزان القوى.
استفاد من طبيعة الأرض ومشكلة المياه، وأرهق الجيش المقابل قبل المواجهة الكبرى، ثم حقق انتصارًا فتح أمامه الطريق لاستعادة مساحات واسعة من فلسطين.
لم تكن حطين نهاية المعركة.
كانت بداية الطريق إلى القدس.
وخلال الأشهر التالية، استعاد صلاح الدين مدنًا وقلاعًا عديدة، حتى بقيت القدس الهدف الأكبر.
وفي أيلول 1187 تحرك جيشه نحو المدينة، وبدأ الحصار في أواخر الشهر. وتذكر المصادر أن الهجوم اشتد حتى حدث خرق في أحد أجزاء الأسوار، عندها بدأت مفاوضات التسليم.
وفي الثاني من تشرين الأول، الموافق 27 رجب 583هـ، تم تسليم القدس.
كان قائد الدفاع داخل المدينة باليان الإبليني، الذي فاوض صلاح الدين على شروط التسليم.
وهنا تظهر واحدة من أكثر الصفحات دلالة في شخصية القائد المنتصر.
فالقدس التي دخلها صلاح الدين لم تكن مشهدًا للانتقام الجماعي.
جرى الاتفاق على خروج السكان وفق شروط للفدية، وتذكر المصادر أن صلاح الدين والعادل، شقيقه، تدخلا لمساعدة عدد من غير القادرين على دفعها، كما حافظت الجماعات المسيحية الشرقية على وجودها في المدينة.
وهنا يصبح الحديث عن صلاح الدين أكبر من حديث عن قائد انتصر في حطين.
إنه حديث عن قيادة عرفت متى تقاتل، ومتى تفاوض، ومتى تجعل من الانتصار مسؤولية لا لحظة انتقام.
ولهذا بقي اسمه.
لم يبقَ لأن سيفه كان حاضرًا في المعركة فقط، وإنما لأن مشروعه بدأ قبل المعركة: توحيد، وبناء، وترتيب للأولويات، ثم مواجهة، ثم إدارة للحظة الانتصار.
وهذه ربما تكون الرسالة الأهم التي يمكن أن نستعيدها من تلك الذكرى اليوم.
فالقدس ليست مجرد مدينة في كتاب التاريخ، والمسجد الأقصى ليس عنوانًا عابرًا في الذاكرة العربية والإسلامية.
إنها قضية ظلت حاضرة في الوعي السياسي والديني والثقافي للمنطقة، وظلت فلسطين معها قضية تتجاوز حدود الجغرافيا.
ومن هنا، فإن استحضار صلاح الدين لا ينبغي أن يكون مجرد حنين إلى رجل من الماضي.
الأهم أن نفهم كيف صنع الطريق إلى القدس.
فلم يبدأ الطريق بالسيف، وإنما بدأ ببناء القوة، وتوحيد الصف، وترتيب البيت الداخلي، وتحويل الهدف إلى مشروع واضح.
وهذه قيمة التاريخ حين نقرأه بعين الحاضر: لا يمنحنا وصفات جاهزة، وإنما يضع أمامنا أسئلة صعبة عن قدرتنا على حماية قضايانا، وعن دور السياسة والإعلام والثقافة في حفظ الذاكرة، وعن مسؤوليتنا تجاه الأجيال القادمة.
والإعلام هنا ليس هامشًا.
فالكلمة التي تكتب عن القدس تحفظ جزءًا من الذاكرة، والصورة التي توثق واقعها تواجه النسيان، والمقال الذي يقدم تاريخها بدقة يمنح الجيل الجديد فرصة لفهم القضية بعيدًا عن الاختزال والشعارات.
وفي الأردن، الذي ارتبط تاريخيًا بالقدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية، تبقى القدس حاضرة في الوجدان الوطني، كما يرتبط بها الدور الأردني في رعاية المقدسات والحفاظ على هويتها العربية والإسلامية.
لذلك لا نقرأ قصة صلاح الدين لكي نعيش في القرن السادس الهجري.
نقرأها لأن فيها درسًا يصلح لكل زمن: أن القضايا الكبرى لا يحميها الغضب وحده، وإنما يحميها الوعي، ووحدة الهدف، وحسن إدارة القوة، والقدرة على تحويل الموقف إلى مشروع.
بعد أكثر من ثمانية قرون، ما زالت القدس حاضرة.
تغيّرت خرائط كثيرة، وتبدلت موازين قوى، وجاءت أجيال ورحلت أخرى، لكن المدينة بقيت في مكانها من الذاكرة.
وربما لهذا السبب تحديدًا بقي صلاح الدين حاضرًا معها.
لأنه لم يترك وراءه حكاية معركة فقط؛ ترك نموذجًا لقائد أدرك أن الطريق إلى القدس يبدأ قبل الوصول إلى أسوارها.
وحين عادت القدس في الثاني من تشرين الأول، لم يكن التاريخ يسجل انتصار رجل واحد فقط؛ كان يسجل لحظة أثبتت أن الإرادة حين تتحول إلى مشروع، تستطيع أن تغيّر مسار التاريخ.
القدس لا تحتاج أن نعيش في الماضي من أجلها؛ تحتاج أن نفهم التاريخ، ونحمي الذاكرة، ونقرأ الحاضر بوعي، ونوحد الصفوف ونترك للأجيال القادمة قضيةً لم تُختزل يومًا في حدود مدينة.









