بقلم : م. ابراهيم العساف - عضو المجلس المركزي ورئيس لجنه العمل والتنمية الاجتماعية في حزب الاصلاح
لم يعد ما يجري في المنطقة مجرد أحداث متفرقة، ولا يمكن النظر إلى التطورات في اليمن والبحر الأحمر وأمن المملكة العربية السعودية بمعزل عن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
فخلال السنوات الماضية، بنت إيران شبكة من النفوذ الإقليمي امتدت عبر أكثر من ساحة عربية، وأصبحت سوريا ولبنان واليمن من أبرز ساحات هذا النفوذ، وإن اختلفت طبيعة كل حالة عن الأخرى. واليوم تبرز مؤشرات سياسية وأمنية قد تدفع باتجاه إعادة تشكيل هذه المعادلة، وفي مقدمتها التطورات المرتبطة باليمن.
اليمن.. الحلقة التي تتغير معادلتها
إذا كانت سوريا ولبنان قد شهدا خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة في طبيعة النفوذ الإيراني وأدواته، فإن اليمن يمثل ساحة مختلفة وحساسة؛ نظراً لموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر وباب المندب، وقربه المباشر من المملكة العربية السعودية.
ومن هنا فإن استمرار دعم الحكومة اليمنية الشرعية، وتعزيز قدرات القوات المسلحة اليمنية، واستعادة مؤسسات الدولة، يمكن أن يمثل تحولاً مهماً في ميزان القوى داخل اليمن.
وقد يكون ما نشهده اليوم بداية مرحلة جديدة في المنطقة، تتراجع فيها قدرة إيران على الاحتفاظ بشبكة الامتداد التي بنتها عبر عقود.
فبعد التحولات التي أصابت نفوذها في سوريا ولبنان، يأتي اليمن باعتباره إحدى أهم الساحات المتبقية التي ما زالت تشكل امتداداً استراتيجياً لهذا النفوذ.
هل يقترب الامتداد الثالث من نهايته؟
هنا يبرز السؤال الأكبر:
هل تقترب إيران من فقدان أحد أهم امتداداتها الإقليمية في اليمن، بعد التغيرات التي شهدتها ساحتا سوريا ولبنان؟
لا يمكن الجزم بأن هذه النتيجة قد حُسمت، لكن التطورات السياسية والعسكرية في المنطقة تفتح الباب أمام هذا الاحتمال.
فإذا تمكنت الحكومة اليمنية من تعزيز حضورها واستعادة مؤسسات الدولة، وإذا نجحت الجهود الإقليمية في الحد من استهداف المملكة وتهديد الملاحة في البحر الأحمر، فقد نشهد تحولاً جوهرياً في طبيعة النفوذ الإقليمي الإيراني.
وعندها قد يكون اليمن هو الامتداد الثالث الذي يدخل مرحلة الانحسار بعد سوريا ولبنان، ليس بالضرورة من خلال مواجهة عسكرية شاملة، وإنما عبر إعادة بناء الدولة اليمنية وتقليص قدرة القوى المسلحة المرتبطة بالخارج على فرض إرادتها على الدولة والمنطقة.
حلف مكة.. رسالة ردع في اللحظة المناسبة
في هذا السياق تبرز أهمية حلف مكة؛ فهو لا يمثل فقط ترتيبات دفاعية بين دول، بل يحمل رسالة سياسية مفادها أن أمن الدول وسيادتها لا يمكن أن تكونا مجالاً مفتوحاً للاعتداء.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة بالنسبة للمملكة العربية السعودية، التي واجهت خلال السنوات الماضية تهديدات مصدرها الأراضي اليمنية.
إن حماية المملكة وأمن الحرمين الشريفين والممرات البحرية، إلى جانب دعم الحكومة اليمنية الشرعية، يمكن أن تشكل عناصر مترابطة في معادلة أمنية جديدة.
من تمدد النفوذ إلى عودة الدولة
المعادلة الأهم في اليمن ليست إيران وحدها، وإنما الدولة اليمنية.
فكلما قويت مؤسسات الدولة، وتوحد الجيش، وتعززت سلطة الحكومة الشرعية، تراجعت مساحة القوى التي تعتمد على السلاح خارج إطار الدولة.
وهذا هو الطريق الأكثر استدامة لإنهاء النفوذ الخارجي: ليس فقط بالمواجهة، وإنما ببناء دولة قوية لا تسمح لأي قوة خارجية بأن تستخدم أراضيها منصة لتهديد جيرانها.
السعودية واليمن.. أمن واحد ومصالح مشتركة
إن استقرار اليمن مصلحة يمنية أولاً، لكنه في الوقت ذاته مصلحة سعودية وعربية.
فالمملكة العربية السعودية ترتبط باليمن بحدود وجغرافيا وتاريخ ومصالح مشتركة، وأمن البحر الأحمر وباب المندب يرتبط بصورة مباشرة بأمن المنطقة والعالم.
ولهذا فإن الدفاع عن المملكة ليس قضية منفصلة عن الدفاع عن الاستقرار العربي، كما أن مساعدة اليمن على استعادة دولته ومؤسساته ليست تدخلاً في مستقبل اليمن، بل يمكن أن تكون دعماً لقيام دولة يمنية قادرة على حماية سيادتها وحدودها.
مرحلة جديدة في المنطقة
ربما تكون المنطقة أمام لحظة تاريخية لإعادة ترتيب أوراقها.
فبعد سنوات من التمدد الإقليمي والصراعات بالوكالة، بدأت موازين القوى تتغير، وأصبح السؤال المطروح ليس فقط: أين تتمدد القوى الإقليمية؟ بل أيضاً: أين تتراجع، وأين تعود الدولة؟
ومن هذا المنظور، فإن اليمن قد يكون أمام مفترق طرق؛ إما استمرار الانقسام والصراع، أو بداية مسار يعيد بناء الدولة ويضع حداً تدريجياً لاستخدام الأراضي اليمنية في صراعات إقليمية.
وإذا اكتملت هذه التحولات، فقد يسجل التاريخ أن الامتداد الثالث للنفوذ الإيراني، بعد سوريا ولبنان، دخل مرحلة الانحسار في اليمن.
لكن الوصول إلى هذه النتيجة يتطلب توحيد الصف اليمني، ودعم مؤسسات الدولة، وحماية المملكة العربية السعودية، ووقف استهداف المدنيين والملاحة، والوصول في النهاية إلى تسوية سياسية تضمن لليمن مستقبلاً مستقراً.
إن حلف مكة، في هذه القراءة، لا يمثل مجرد اتفاق دفاعي، بل يمكن أن يكون جزءاً من مشهد إقليمي جديد: مشهد تتقدم فيه الدولة على الميليشيا، والسيادة على النفوذ الخارجي، والاستقرار على الفوضى.
والرهان الحقيقي في النهاية ليس على الحرب، وإنما على قيام دول قوية قادرة على حماية شعوبها وحدودها، وعلى بناء أمن عربي يحمي المنطقة من أن تكون ساحاتها رهينة لصراعات الآخرين.
اسم الكاتب : م. ابراهيم العساف
العساف يكتب : حلف مكة.. بداية نهاية الامتداد الإيراني واستعادة الدولة اليمنية
الثلاثاء - pm 12:21 | 2026-10-06
22 الإعلامي -









