بقلم : م. ابراهيم العساف - عضو المجلس المركزي/ حزب الاصلاح
ليس من الحكمة أن نقلل من حجم المخاطر التي تحيط بالأردن والمنطقة العربية، كما أنه ليس من الحكمة أن ننظر إلى المستقبل بمنظار الخوف وحده. فالأردن يعيش في إقليم مضطرب، ويتأثر مباشرة بما يجري حوله سياسياً وأمنياً واقتصادياً، ولذلك فإن حماية الوطن تتطلب وعياً عميقاً بالمخاطر، ولكنها في الوقت نفسه تتطلب رؤية متوازنة لا تكتفي بتعداد الأعداء، بل تبحث عن مصادر القوة التي تمكننا من مواجهتهم.
صحيح أن قوة الجبهة الداخلية هي خط الدفاع الأول عن الدولة، وأن الوحدة الوطنية والثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة والمشاركة السياسية الفاعلة عناصر أساسية في بناء دولة قوية. لكن الوحدة الوطنية لا تُبنى فقط بالشعارات، وإنما بالعدالة وتكافؤ الفرص واحترام القانون، وبشعور المواطن أن صوته مسموع وأن المؤسسات تعمل لمصلحته.
ومن هنا فإن الإصلاح السياسي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مطلباً حزبياً أو نخبوياً، بل باعتباره وسيلة لتعزيز الدولة نفسها. والمطلوب هو تطوير الحياة الحزبية والبرلمانية، وتوسيع المشاركة السياسية، ورفع مستوى التمثيل والمساءلة، مع الحفاظ على استقرار الدولة وهيبة مؤسساتها. وهذا يتطلب إصلاحاً تدريجياً ومسؤولاً لا صداماً بين مكونات المجتمع والدولة.
أما اقتصادياً، فالتحدي حقيقي ولا يجوز إنكاره. فالبنك الدولي يشير إلى أن الاقتصاد الأردني نما بنحو 2.8% في عام 2025، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى استمرار ارتفاع البطالة، وإلى أن خلق فرص العمل وزيادة دور القطاع الخاص من أهم التحديات المقبلة.
وهنا يجب أن ننتقل من الحديث عن الأزمة إلى الحديث عن الإنتاج: كيف نزيد الاستثمار؟ كيف ندعم الصناعة والزراعة والسياحة والتكنولوجيا؟ كيف نحول الشباب من طالبي وظائف إلى منتجين وأصحاب مشاريع؟ وكيف نربط التعليم باحتياجات سوق العمل؟
فالاقتصاد القوي ليس ترفاً؛ إنه جزء أساسي من الأمن الوطني.
أما التعليم، فهو بالفعل من أهم ساحات المعركة على مستقبل الأردن. لكن المطلوب ليس العودة إلى الماضي فقط، وإنما بناء تعليم يجمع بين الهوية والانفتاح، والقيم والعلم، والمعرفة والمهارات. نحتاج إلى خريج يمتلك هويته وثقته بنفسه، وفي الوقت نفسه يستطيع المنافسة في الاقتصاد الرقمي والعلوم والتكنولوجيا والمهن الحديثة.
والأمر ذاته ينطبق على منظومة القيم. الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية لا يعني الانغلاق عن العالم، كما أن الانفتاح على العالم لا يعني التخلي عن الهوية. المطلوب هو إنسان أردني معتز بثقافته ووطنه وقانونه يعتز بقيادته الهاشميه المتوازنه فهي المصدر الاول للاستقرار والقوه والمنعه وجيشه واجهزته الامنيه الفذه ونقبل الاختلاف، ونؤمن بالعمل والإنتاج والتكافل.
أما على صعيد الخطر الخارجي، فإن القضية الفلسطينية وما يرتبط بها من تهديد للأمن والاستقرار في المنطقة تفرض نفسها بقوة على الأردن وخاصه التلويح من قبل العدو الصهيوني بالمساس بالوصايه الهاشميه على المقدسات في القدس الشريف كما أن استمرار الصراعات الإقليمية يجعل الأردن معرضاً لتداعيات اقتصادية وأمنية وسياسية. والبنك الدولي أشار في 2026 إلى أن الاضطرابات الإقليمية تزيد حالة عدم اليقين وتؤثر في التجارة والسياحة والطاقة والاستثمار.
لكن مواجهة هذه الأخطار لا تكون فقط بتسمية الأعداء، وإنما ببناء دولة قوية من الداخل.
فالدولة التي تملك اقتصاداً منتجاً، وتعليماً جيداً، ومؤسسات قوية، وجبهة داخلية متماسكة، وعلاقات عربية وإقليمية ودولية متوازنة، تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها الوطنية.
وهنا أختلف مع فكرة أن الحل يكمن في عزل الأردن أو العرب عن جميع المشاريع والتحالفات الدولية والإقليمية. الأردن دولة صغيرة في الجغرافيا لكنها كبيرة في موقعها ودورها، ومن مصلحتها أن تحافظ على علاقات متوازنة مع محيطها العربي والإسلامي والدولي، وأن تبني تحالفاتها على أساس حماية مصالحها الوطنية وسيادتها، لا على أساس الارتهان لأي طرف.
كما أن الحديث عن "عملاء" و"متآمرين" يحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية. فمن حقنا أن نختلف سياسياً، وأن ننتقد السياسات والمواقف، لكن اتهام الأشخاص بالخيانة والتآمر لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإسكات الرأي الآخر أو تقسيم المجتمع. المعيار يجب أن يكون الدليل والقانون، لا التخوين.
إن الأردن اليوم بحاجة إلى مشروع وطني يجمع ولا يفرق؛ مشروع عنوانه:
دولة قوية، ومواطن كريم، واقتصاد منتج، وتعليم متطور، وحياة سياسية فاعلة، وهوية وطنية راسخة، وعلاقات عربية ودولية متوازنة.
فالخطر الحقيقي ليس أن نختلف حول تشخيص بعض المخاطر، وإنما أن ننشغل بالخلاف إلى درجة ننسى معها أن لدينا وطناً يحتاج إلى جهود الجميع.
الأردن لا يحتاج إلى خطاب يزرع اليأس، ولا إلى خطاب ينكر المشكلات ولا الى معارضه شعبويه تستغل مواطن الضعف لشهوات شخصيه او تصفيه حسابات على حساب استقرار الوطن.
إنما يحتاج إلى خطاب صريح يشخص الخلل، ويعترف بمواطن القوة، ويضع الحلول، ويفتح الباب أمام جميع الأردنيين للمشاركة في صناعة المستقبل.
فالأوطان لا تحميها الشعارات وحدها، ولا تحميها القوة العسكرية وحدها، وإنما يحميها الإنسان الواعي، والمؤسسة القوية، والاقتصاد المنتج، والعدالة، والوحدة الوطنية، والقدرة على اتخاذ القرار المستقل.
ومن هنا تبدأ مواجهة الخطر الحقيقي: أن نبني الأردن الذي يصعب استهدافه، لأن قوته تبدأ من داخله.
اسم الكاتب : م. ابراهيم العساف
العساف يكتب : الأردن في مواجهة المخاطر ... نعم، ولكن من أين يبدأ العلاج؟
الثلاثاء - am 10:33 | 2026-09-22
22 الإعلامي -









