بقلم : م. ابراهيم العساف - عضو المجلس المركزي ورئيس لجنه العمل والتنمية الاجتماعية في حزب الاصلاح
في لحظة يزدحم فيها العالم بالأزمات والحروب، وتبدو فيها لغة القوة وكأنها تتقدم على لغة القانون، وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حاملاً صوت الأردن، ومعبّراً عن موقف عربي وإنساني واضح، ليضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، لا أمام مجرد توصيف جديد لأزمة طال أمدها.
لم تكن كلمة جلالة الملك خطاباً بروتوكولياً عابراً، بل كانت رسالة سياسية وأخلاقية مباشرة: لا يمكن للعالم أن يستمر في إدارة الأزمات بدلاً من حلها، ولا يمكن أن يبقى القانون الدولي انتقائياً، ولا يجوز أن يصبح الظلم أمراً معتاداً لمجرد أنه طال زمنه.
وفي قلب الكلمة جاءت القضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الأزمة في المنطقة. فالملك تحدث بوضوح عن محاولة محو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد في غزة، وعن التهجير القسري للفلسطينيين من منازلهم في الضفة الغربية، محذراً من أن استمرار هذه السياسات يجعل الوصول إلى الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة.
وهنا تكمن قوة الموقف الأردني؛ فالأردن لا يتحدث عن فلسطين باعتبارها قضية سياسية فحسب، وإنما باعتبارها قضية حق وعدالة وكرامة إنسانية، وقضية أمن واستقرار إقليمي ودولي.
لقد حذر جلالة الملك على مدى سنوات من أن ترك القضية الفلسطينية دون حل سيعيد إنتاج العنف والأزمات. وفي خطابه عام 2025، أكد أن المجتمع الدولي لا يستطيع أن يواجه حجم المأساة بالصمت، وأن استمرار معاناة الفلسطينيين يعني استمرار دورة العنف.
أما اليوم، فقد جاءت الرسالة أكثر حدة ووضوحاً: المشكلة ليست في غياب المعلومات، فالعالم يرى ويسمع ويعرف، وإنما في غياب الإرادة السياسية الكافية لوضع حد للانتهاكات وإنفاذ قواعد القانون الدولي.
ولم يحصر جلالة الملك تداعيات أزمات المنطقة داخل حدودها. فقد أشار إلى أن حرب إيران أظهرت بوضوح كيف يمكن لأزمات الشرق الأوسط أن تصل آثارها إلى أبعد من المنطقة، خصوصاً في الطاقة والغذاء، وأن الصراعات الممتدة من لبنان إلى اليمن والسودان تزيد من المعاناة الإنسانية.
وهذه رسالة بالغة الأهمية: أمن المنطقة ليس شأناً إقليمياً فقط.
فعندما تضطرب المنطقة، ترتفع كلفة الطاقة، وتتأثر أسواق الغذاء، وتتوسع موجات النزوح، وتتراجع فرص التنمية، ويدفع المواطن في مناطق بعيدة عن ميادين الصراع ثمن أزمات لم يكن طرفاً فيها.
ومن هنا جاء حضور الأردن في الخطاب الدولي بوصفه دولة تدعو إلى الحلول السياسية، وتحذر من نتائج استمرار الحروب، وتتمسك بمبادئ القانون الدولي والشرعية الدولية.
الملك يضع العالم أمام الحقيقة
الأهم في كلمة جلالة الملك أنها لم تكتفِ بإدانة ما يجري، وإنما ربطت الأحداث بالنتائج التي ستترتب عليها.
فمحاولة تغيير الواقع الديموغرافي والسياسي بالقوة لا تنتج سلاماً دائماً، بل تفتح الباب أمام مزيد من الصراع.
والتهجير لا يصنع استقراراً.
والاحتلال لا يمكن أن يكون أساساً لسلام مستدام.
وتجاهل حقوق الشعوب لا يلغي هذه الحقوق.
ولهذا فإن الرسالة الأردنية التي حملها الملك إلى الأمم المتحدة تقوم على قاعدة واضحة: السلام الحقيقي لا يُبنى على إدارة الصراع، وإنما على معالجة أسبابه وجذوره.
وقد سبق لجلالة الملك أن أكد أن الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية يجب أن يقود إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة وذات سيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب إسرائيل في إطار حل الدولتين.
الأردن.. صوت هادئ في زمن صاخب
وسط التصعيد الذي تشهده المنطقة، حافظ الأردن على خطاب سياسي واضح يقوم على خفض التصعيد، وحماية سيادة الدول العربية، ودعم الحلول السياسية، والتمسك بالقانون الدولي.
وهذا ما ظهر أيضاً في لقاءات جلالة الملك على هامش اجتماعات الجمعية العامة، حيث شدد على ضرورة تكثيف العمل العربي المشترك، وحماية أمن الدول العربية وسيادتها، كما أكد ضرورة وقف الاعتداءات على لبنان ودعم استقراره وسيادته.
إن أهمية الدور الأردني لا تأتي من حجم الأردن الجغرافي، وإنما من وضوح موقفه، ومن قدرته على إيصال صوت المنطقة إلى المحافل الدولية، ومن خبرته الطويلة في التعامل مع ملفات السلام والأمن والقضية الفلسطينية واللاجئين.
كلمة الملك ليست للأمم المتحدة وحدها
ربما تكون الرسالة الأهم في خطاب جلالة الملك أن ما يحدث في منطقتنا لن يبقى محصوراً فيها.
العالم مترابط.
وأمن المنطقة جزء من أمن العالم.
والاستقرار الاقتصادي العالمي مرتبط باستقرار طرق الطاقة والغذاء والتجارة.
وأي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة ستترك آثاراً تتجاوز حدود الدول التي تشهد الصراع.
لذلك، فإن الاستماع إلى صوت الأردن ليس مجاملة سياسية، بل هو استماع إلى دولة تقع في قلب منطقة تختبر يومياً نتائج غياب الحلول السياسية.
كلمة حق في زمن يحتاج إلى كلمة حق
لقد كان خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني واضحاً في جوهره: لا بد من وقف منطق القوة عندما يتعارض مع القانون، ولا بد من حماية الإنسان، ولا بد من حل القضية الفلسطينية على أساس الحقوق المشروعة والشرعية الدولية.
وفي زمن كثرت فيه الخطابات، يبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من الكلام إلى الفعل.
فالأمم المتحدة لا تحتاج إلى المزيد من البيانات بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية تنفذ مبادئها وقراراتها.
والشعوب لا تحتاج إلى المزيد من الوعود بقدر ما تحتاج إلى الأمن والسلام والكرامة.
والفلسطينيون لا يحتاجون إلى التعاطف وحده، وإنما إلى حماية حقوقهم وإنهاء الاحتلال والوصول إلى دولتهم المستقلة.
من نيويورك، تحدث الأردن بصوت واضح.
وتحدث الملك بلغة يعرفها العالم كله: السلام لا يولد من الظلم، والاستقرار لا يُبنى على التهجير، والقوة لا تستطيع أن تلغي الحق.
وهذه هي الرسالة التي حملها الأردن إلى العالم: أن المنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة، بل إلى عدالة حقيقية، وإلى سلام عادل، وإلى إرادة دولية قادرة على تحويل القرارات من نصوص على الورق إلى واقع يحمي الإنسان ويصون كرامته.
فحين يتحدث الأردن في الأمم المتحدة، فإنه لا يتحدث عن نفسه فقط؛ بل يضع أمام العالم سؤالاً سيبقى قائماً: إلى متى يستطيع المجتمع الدولي أن يرى المأساة ولا يتحرك لإنهائها
اسم الكاتب : م. ابراهيم العساف
العساف يكتب : كلمة الأردن في قلب العالم.. حين يتحدث الملك عبدالله الثاني باسم الضمير والحق
الثلاثاء - pm 11:40 | 2026-09-22
22 الإعلامي -









