بقلم: آلاء سلهب التميمي
ليس كل رحيل نهايةً لحياة. بعض الأشخاص يغادرون، لكن ما يتركونه خلفهم لا يغيب؛ يبقى في ذاكرة الناس، وفي الأماكن التي مرّوا بها، وفي حياة أناس ربما لم يعرفوا أسماءهم يومًا، لكنهم عرفوا أثرهم.
في الثامن والعشرين من أيلول، فقدت ماليزيا تون الدكتورة سيتي حسمة محمد علي، بعد حياة امتدت قرابة قرن، عاصرت خلالها تحولات بلادها، وكانت إلى جانب الدكتور مهاتير محمد، لكنها في الوقت ذاته صنعت لنفسها سيرة مستقلة، عنوانها الطب والصحة والتعليم وخدمة الإنسان.
رحم الله سيتي حسمة، وأسكنها فسيح جناته، وألهم الدكتور مهاتير محمد وأبناءها وأسرتها ومحبيها جميل الصبر وحسن العزاء.
ولدت في كلانغ بولاية سيلانغور، لكن قدح الملقبة ب"دار السلام" كانت من المحطات التي تركت أثرًا عميقًا في حياتها.
هناك عملت طبيبة، واقتربت من الناس في المناطق الريفية، ورأت عن قرب ما تحتاجه الأمهات والأطفال، وما تعانيه الأسر البعيدة عن مراكز المدن.
لم يكن الطب بالنسبة إليها مجرد مهنة لعلاج المرض، بل مسؤولية تبدأ قبل وصول المريض إلى المستشفى؛ بالتوعية، والتعليم الصحي، ورعاية الأم والطفل، والوصول إلى الإنسان في مكانه.
ومن هنا ارتبط اسمها بالصحة العامة وتدريب العاملات الصحيات والقابلات ونشر المعرفة الصحية في المجتمعات الريفية.
وربما كانت هذه إحدى أهم رسائل حياتها: أن بناء الإنسان لا يبدأ من المستشفى وحده، ولا من الجامعة وحدها، وإنما من المعرفة التي تصل إلى البيت والقرية والمدرسة، ومن الرعاية التي تجعل الإنسان يشعر أن حياته وكرامته تستحقان الاهتمام.
لهذا تبدو سيرتها، في جانب منها، قريبة من قصة ماليزيا نفسها؛ بلد جعل التعليم والصحة والاستثمار في الإنسان جزءًا من مسيرة بناء المجتمع والانفتاح على العالم.
لكن أثر سيتي حسمة لم يتوقف عند حدود وطنها.
في العراق، شاركت في مهمة إنسانية للاطلاع على أوضاع الأطفال والمجتمع، ثم وثقت جانبًا من تجربتها في كتابها Speaking of Mass Destruction. وكانت تلك التجربة تعبيرًا عن اهتمام يتجاوز الجغرافيا؛ فالألم الإنساني، بالنسبة إليها، لم يكن خبرًا بعيدًا أو رقمًا في تقرير.
وفي فلسطين، بقي اسمها حاضرًا بصورة أخرى، من خلال مركز للعلاج الطبيعي في خان يونس حمل اسمها، في مشهد يعكس جانبًا من الحضور الإنساني الماليزي إلى جانب الشعب الفلسطيني.
وهنا تتسع دلالة الحكاية.
فالعلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو الزيارات الرسمية، بل بما تتركه في حياة الناس. طالب يجد فرصة للتعلم، طبيب يصل إلى منطقة تحتاجه، طفل يتلقى العلاج، أو شاب يحمل تجربة بلد إلى بلده بعد سنوات من الدراسة.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى العلاقة بين ماليزيا وفلسطين، وكذلك إلى العلاقة بين ماليزيا والأردن، باعتبارها علاقات تتجاوز السياسة إلى الإنسان.
في الأردن، اختار طلبة ماليزيون جامعاتنا مكانًا للعلم، ودرسوا الطب واللغة العربية والشريعة وغيرها من التخصصات.
عاشوا سنوات بين الأردنيين، وتعلموا في جامعاتهم، واكتسبوا إلى جانب المعرفة الأكاديمية تجربة في المجتمع والثقافة واللغة.
وعندما يعود الطالب الماليزي إلى بلاده، لا يعود بشهادة فقط.
يعود بصورة عن الأردن؛ عن مدنه وناسه ولهجته وكرم أهله، وعن أصدقاء تركهم خلفه. وفي المقابل، يترك هو في الأردن صورة أخرى عن ماليزيا وشعبها.
وهكذا تتحول الجامعة، من مكان للتعليم، إلى جسر بين بلدين.
وهذه الجسور ربما تكون من أكثر الجسور بقاءً؛ لأنها لا تُبنى بالخرسانة، وإنما بالمعرفة والذكريات والعلاقات الإنسانية.
ومن قدح، حيث احتلت سيتي حسمة جانبًا من حياتها، تبدو هذه الفكرة أكثر قربًا بالنسبة إليّ؛ وأنا أتابع تجربتي الأكاديمية في جامعة أوتارا الماليزية، وأرى كيف يمكن للجامعة أن تكون مساحة يلتقي فيها الأردني والماليزي والعربي والآسيوي، لا ليتعلموا فقط، بل ليتعرف بعضهم إلى بعض.
لهذا لا أرى في رحيل سيتي حسمة خبر وفاة شخصية ماليزية فحسب.
أراه مناسبة للتوقف أمام معنى أوسع: ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟
قد لا تبقى المناصب، وقد تتغير العناوين، وقد تمر السنوات، لكن يبقى الطبيب الذي خفف ألمًا، والمعلم الذي فتح باب معرفة، والإنسان الذي مد يده إلى محتاج، والطالب الذي عاد إلى وطنه وهو يحمل في ذاكرته وطنًا آخر أحبه.
هذه هي القوة الحقيقية للأثر؛ أن يعبر الحدود من دون تأشيرة، وأن تنتقل قيمته من إنسان إلى إنسان، ومن جيل إلى جيل.
رحلت تون الدكتورة سيتي حسمة بعد قرن من الحياة، لكنها تركت وراءها سيرة لا تختصرها الألقاب.
تركت قصة طبيبة اقتربت من الناس، وامرأة آمنت بالعلم، وإنسانة لم تحصر اهتمامها بالآخر في حدود وطنها.
وفي زمن تكثر فيه المسافات بين الشعوب، ربما نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أشخاص يجعلون من الصحة والتعليم والمعرفة لغة مشتركة.
رحم الله سيتي حسمة، وأكرم نزلها، وألهم الدكتور مهاتير محمد وأبناءها وأسرتها ومحبيها الصبر والسلوان.
ويبقى أجمل ما يمكن أن يقال عن إنسان في نهاية حياته: أنه مرّ من هنا، فخفّف ألمًا، وفتح بابًا، وعلّم إنسانًا، وبنى جسرًا… ثم رحل، وبقي أثره.









