×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : آلاء سلهب

سلهب تكتب: عمّان وكوالالمبور.. شراكة تصنع المستقبل

سلهب تكتب: عمّان وكوالالمبور.. شراكة تصنع المستقبل
22 الإعلامي   -

بقلم: آلاء سلهب التميمي

ليست الزيارات الملكية مجرد محطات في جدول الدبلوماسية، ولا تختصرها مراسم الاستقبال وتبادل الأوسمة والاتفاقيات؛ فقيمتها الحقيقية تُقاس بما تفتحه من آفاق سياسية واقتصادية، وما تؤسسه من شراكات قادرة على تحويل الثقة المتبادلة إلى مصالح مستدامة. ومن هذا المنطلق، تكتسب زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى ماليزيا في تشرين الأول 2026 أهمية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، لتعبّر عن رؤية أردنية تسعى إلى توسيع الحضور الدولي للمملكة، وبناء جسور تعاون مع الدول التي تتقاطع معها في المصالح والقضايا الكبرى.

في كوالالمبور، حمل اللقاء الملكي مع ملك ماليزيا السلطان إبراهيم بن السلطان إسكندر دلالات تتصل بعمق العلاقات بين البلدين، فيما عكس منح جلالة الملك وسام التاج الوطني الرئيسي السامي، وفق ما أُعلن عن الزيارة، تقديراً لمكانة الأردن وللجهود المبذولة في تعزيز العلاقات الأردنية الماليزية. وفي المقابل، جاء منح جلالة الملك قلادة الحسين بن علي للملك الماليزي تعبيراً عن التقدير المتبادل، وعن مكانة الروابط الملكية في ترسيخ العلاقات بين الدولتين. غير أن الدلالة الأهم لا تكمن في الرمزية البروتوكولية وحدها، وإنما في قدرة هذه الرمزية على توفير أرضية سياسية أكثر صلابة لتطوير التعاون في ملفات تتجاوز المجاملات الدبلوماسية إلى المصالح الاستراتيجية.

تستند العلاقات الأردنية الماليزية إلى تاريخ دبلوماسي يعود إلى عام 1965، وإلى روابط إنسانية وثقافية وتعليمية عززتها سنوات من التواصل بين الشعبين. وعلى امتداد هذه العقود، حافظ البلدان على مساحة من التفاهم في قضايا إقليمية ودولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بما يجعل العلاقة بين عمّان وكوالالمبور أكثر من علاقة بين دولتين تجمعهما الصداقة؛ إنها علاقة يمكن البناء عليها لتنسيق المواقف، وتوسيع الشراكات، وتعزيز حضور الدولتين في المحافل متعددة الأطراف.

سياسياً، يكتسب التقارب الأردني الماليزي أهمية إضافية في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتراجع قدرة الأطر التقليدية على احتواء الأزمات. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي ودوره الدبلوماسي، يتعامل مع تحديات ترتبط بأمن المنطقة واستقرارها، فيما تمتلك ماليزيا حضوراً مهماً في جنوب شرق آسيا، وعلاقات فاعلة ضمن منظمة التعاون الإسلامي. ويمنح هذا التقاطع البلدين فرصة لتطوير التنسيق بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، والدفاع عن الحلول السياسية، ودعم الاستقرار الإقليمي، وتعزيز العمل الإسلامي المشترك بعيداً عن منطق الاستقطاب.

وتبقى فلسطين القضية المركزية التي تمنح هذا التقارب بعده السياسي والأخلاقي الأوضح. فالموقف الأردني، المستند إلى الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وإلى التمسك بحل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، يلتقي مع أهمية استمرار الدعم الماليزي للحقوق الفلسطينية المشروعة. ومن هنا، فإن تطوير العلاقات بين البلدين يمكن أن يعزز التنسيق الدبلوماسي في المحافل الدولية، ويدعم الجهود الرامية إلى حماية المقدسات، ووقف الاعتداءات، وتثبيت المرجعيات القانونية الدولية ذات الصلة، بما يحفظ الحقوق الوطنية الفلسطينية ويصون فرص السلام العادل.

ومن منظور القانون الدولي، فإن أهمية هذا التنسيق لا تقتصر على إعلان المواقف السياسية، بل تتصل أيضاً بضرورة احترام ميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ سيادة الدول، وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين. فالمواقف التي تتبناها الدول تكتسب وزناً أكبر حين تتحول إلى جهد دبلوماسي منظم، وتعاون داخل المؤسسات الدولية، ومبادرات عملية تسهم في حماية الحقوق وتعزيز المساءلة. وفي هذا السياق، يستطيع الأردن وماليزيا توظيف علاقاتهما لدعم مقاربة تقوم على الشرعية الدولية، وترفض ازدواجية المعايير في التعامل مع الأزمات.

أما اللقاء مع رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، فيفتح الباب أمام قراءة اقتصادية لا تقل أهمية عن البعد السياسي. فإعادة تفعيل اللجنة التجارية الأردنية الماليزية، بحسب ما أُعلن عن الزيارة، تمثل خطوة يمكن أن تساعد في معالجة التحديات التي تواجه التبادل التجاري، وتحديد القطاعات القابلة للنمو، وتطوير قنوات التواصل بين المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص. فالعلاقات الاقتصادية لا تتقدم بالاتفاقيات وحدها، وإنما تحتاج إلى خطط تنفيذية واضحة، ومواعيد محددة، ومؤشرات تقيس حجم التقدم في التجارة والاستثمار ونقل المعرفة.

يمتلك الأردن فرصاً لتوسيع صادراته من الأسمدة والبوتاس والأدوية والمنتجات الصناعية، فيما تتمتع ماليزيا بخبرات وإمكانات في قطاعات التكنولوجيا والصناعات الغذائية والطاقة وسلاسل الإمداد. ومن شأن تحويل هذه المزايا إلى شراكات إنتاجية واستثمارية أن ينقل العلاقة من نمط التبادل التجاري التقليدي إلى مستوى أعلى من التكامل الاقتصادي. كما يمكن للتعاون في الأمن الغذائي والدوائي والطاقة والتكنولوجيا أن يفتح مسارات جديدة أمام الشركات الأردنية والماليزية، ويمنحها فرصاً أوسع للوصول إلى أسواق إقليمية ودولية.

وهنا تبرز ضرورة الانتقال من إعلان النوايا إلى التنفيذ. فنجاح الشراكة الاقتصادية يتطلب تحديد أولويات قابلة للقياس، وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين، وتبادل المعلومات التجارية، وتعزيز التواصل بين غرف الصناعة والتجارة، إلى جانب بحث فرص إقامة مشروعات مشتركة تستفيد من الموقع الاستراتيجي للأردن وخبرات ماليزيا الصناعية والتكنولوجية. كما أن تفعيل اللجنة التجارية ينبغي أن يقترن بمتابعة مؤسسية دورية، حتى لا تبقى الاتفاقيات وثائق سياسية مهمة من دون أثر ملموس في الاقتصاد وفرص العمل.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن التعاون الأكاديمي والعلمي، الذي يشكل أحد أكثر أوجه العلاقة الأردنية الماليزية قدرة على الاستمرار والتجدد. فقد أسهمت الروابط التعليمية في بناء جسور بين الجامعات والباحثين والطلبة، وأتاحت فرصاً للتبادل الثقافي والمعرفي بين المجتمعين. واليوم، تفرض التحولات الرقمية والانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي أهمية تطوير هذا التعاون ليشمل البحث العلمي، والابتكار، والصناعات الرقمية، وتدريب الكفاءات، وتبادل الخبرات في مجالات الإعلام والتكنولوجيا والتعليم العالي. فالشراكات التي تستثمر في الإنسان والمعرفة أكثر قدرة على مواجهة التحولات العالمية من العلاقات التي تقتصر على المصالح الآنية.

إن ما يمنح الزيارة الملكية أهميتها الاستراتيجية هو أنها تأتي في مرحلة لم تعد فيها العلاقات الدولية تُبنى على الجغرافيا وحدها، وإنما على القدرة على تنويع الشراكات، وتوسيع الخيارات الاقتصادية، وتشكيل مساحات من التفاهم السياسي مع دول تمتلك رؤى ومصالح متقاطعة. وفي عالم تتزايد فيه المنافسة على الأسواق والتكنولوجيا وسلاسل التوريد، يحتاج الأردن إلى تعزيز علاقاته مع شركائه التقليديين، وفي الوقت نفسه توسيع انفتاحه على آسيا بوصفها مجالاً مهماً للتجارة والاستثمار والتعاون العلمي.

ومن هنا، فإن العلاقة الأردنية الماليزية تحمل إمكانات تتجاوز نتائج زيارة واحدة، شرط أن تُستكمل بخطوات عملية ومتابعة مستمرة. فالدبلوماسية الناجحة لا تُقاس بعدد اللقاءات، وإنما بقدرتها على تحويل التفاهم السياسي إلى تعاون مؤسسي، وتحويل الصداقة التاريخية إلى مصالح اقتصادية، وتحويل المواقف المشتركة إلى مبادرات فاعلة تخدم استقرار المنطقة وحقوق شعوبها.

عمّان وكوالالمبور أمام فرصة لتعميق شراكة تقوم على الثقة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وإذا أحسن البلدان استثمار هذه الفرصة، فإن ما يجمعهما لن يبقى امتداداً لتاريخ من العلاقات الودية فحسب، بل يمكن أن يتحول إلى نموذج للتعاون العربي الآسيوي الذي يجمع بين وضوح الموقف السياسي، والالتزام بالشرعية الدولية، والطموح الاقتصادي، والاستثمار في الإنسان. وتلك هي القيمة الأبعد للزيارات الملكية: أن تفتح أبواب المستقبل، وأن تجعل من العلاقات الراسخة قوةً قادرة على صناعة نتائج ملموسة للدول والشعوب.