×
آخر الأخبار

الكريمين يكتب : خطاب العرش السامي: الأردن في مواجهة الإرهاب.. عقيدة الصمود ووحدة الجبهة الداخلية

الكريمين يكتب : خطاب العرش السامي: الأردن في مواجهة الإرهاب.. عقيدة الصمود ووحدة الجبهة الداخلية
22 الإعلامي   -

بقلم : امجد صقر الكريمين

يُمثل خطاب العرش السامي أمام مجلس الأمة، في افتتاح الدورة العادية، وثيقة سياسية وأمنية بالغة الأهمية، ترسم ملامح إستراتيجية الدولة الأردنية في التعامل مع التحديات الراهنة. وفي هذا الخطاب التاريخي، الذي جاء في أعقاب العمل الإرهابي الغادر في مدينة الكرك، وجّه جلالة الملك عبد الله الثاني رسائل حاسمة ومباشرة أكد فيها على صمود الأردن المطلق، وتصدي الدولة الحازم لكل من يحاول المساس بأمن الوطن واستقراره ووحدته الوطنية.
يُمكن تفكيك مضامين الخطاب وأبعاده السياسية والاجتماعية والأمنية من خلال المحاور الإستراتيجية التالية:

1. تجذير مفهوم "الخوارج" ونزع الشرعية عن الإرهاب

استخدم جلالة الملك مصطلح "الخوارج" بدقة وتكرار لوصف منفذي هجوم الكرك الإرهابي. هذا الاختيار المصطلحي يحمل أبعاداً فكرية ودينية عميقة:
* عزل الإرهابيين فكرياً: بوصفهم خوارج، يتم حرمانهم من أي شرعية دينية أو سياسية يدّعونها.
* التأكيد على الهوية الجامعة: تشديد جلالته على أن "هؤلاء ليسوا منا"، يوضح خطاً فاصلاً بين قيم المجتمع الأردني المتسامح والمنفتح، وبين الفكر المتطرف الدخيل.

2. البعد الاجتماعي: "الأسرة الأردنية الواحدة" في مواجهة الخيانة

وظّف الخطاب الرمزية الاجتماعية السائدة في الثقافة الأردنية، مستخدماً وصف "العائلة والأسرة" للإشارة إلى الشعب:
* توصيف الإرهاب بالخيانة: عندما قال جلالته "خرجوا عن عائلتنا... وخانوا هذه الأسرة"، فإنه ارتقى بالفعل الإرهابي من مجرد جريمة أمنية إلى خيانة عظمى للروابط الاجتماعية والوطنية.
* النفي المطلق: العبارة الحازمة "فلا مكان لهم بيننا لا اليوم ولا غداً" تُغلق الباب أمام أي محاولة للاستعطاف أو التبرير، وتؤكد على لفظ المجتمع التلقائي لهذه الفئات.

3. الجاهزية الأمنية والعسكرية: "بالمرصاد"

جاء الخطاب ليعزز ثقة المواطن بمؤسساته العسكرية والأمنية، ويرسل رسالة ردع واضحة لمهددي الأمن:
* صلابة الدولة: الإشارة إلى أن يد الإرهاب أرادت أن "تختبر صلابة دولتنا وعزيمة شعبنا" تفيد بأن الدولة تجاوزت مرحلة الصدمة إلى مرحلة الفعل والردع.
* المبادأة واليقظة: عبارة "سنكون لها بالمرصاد" تنقل الإستراتيجية الأمنية من الدفاع إلى الهجوم والملاحقة الاستباقية لقطع دابر الإرهاب.

4. الوفاء للشهداء والمسؤولية التشاركية

لم يغفل الخطاب الجانب الوجداني والوطني المتمثل في تضحيات الأجهزة الأمنية والمواطنين:
* العهد والالتزام: تأكيد جلالته أن "دماء شهداء الكرك عهد في أعناقنا" يضع الدولة بأكملها أمام مسؤولية تاريخية لرعاية أسر الشهداء ومواصلة الدرب الذي قضوا من أجله.
* الوقوف دقيقة صمت: دعوة مجلس الأمة (الأعيان والنواب) للوقوف دقيقة صمت هي لفتة برلمانية وسياسية تُشرك السلطة التشريعية في تحمل المسؤولية الوطنية، وتؤكد على تلاحم مؤسسات الدولة خلف القيادة والجيش.

5. العمق التاريخي: الأردن العصيّ على الانكسار

ختم جلالة الملك هذا المحور بربط الحاضر بالماضي، مؤكداً أن "الأردن كان وسيبقى عصياً على كل معتدٍ غاشم". هذه العبارة تستدعي التاريخ الأردني المليء بالتحديات والتي خرج منها الوطن دائماً أكثر قوة ومنعة، محذراً كل "متغافل عن تاريخه" من مغبة اختبار الإرادة الأردنية.

6 .الملف المائي واصفاً إياه بـ "الأولوية الوطنية القاطعة

إلى جانب الحزم الأمني في مواجهة الإرهاب، شكّلت قضية المياه محوراً إستراتيجياً بالغ الأهمية في خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني أمام مجلس الأمة؛ حيث أفرد جلالته مساحة خاصة للملف المائي واصفاً إياه بـ "الأولوية الوطنية القاطعة التي لا مجال فيها للمساومة أو المهادنة". وبموجب هذا الطرح الملكي، ارتقت قضية المياه من مجرد تحدٍ خدمي أو قطاعي إلى مستوى "الأمن القومي السيادي".
خلاصة التحليل:
لقد شكّل خطاب العرش السامي خارطة طريق للمرحلة المقبلة، عنوانها الأبرز: لا تهاون مع الإرهاب، ولا مساومة على أمن الوطن. وقد نجح الخطاب في تحويل الحدث الأليم (اعتداء الكرك) إلى طاقة تماسك داخلي، معززاً الجبهة الوطنية، ومؤكداً للعالم أجمع أن الأردن، بقيادته وشعبه وجيشه، يمتلك الإرادة السياسية والعسكرية الكافية لإحباط أي مخطط يستهدف استقراره البنيوي.