×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : الدكتورة ثروت المعاقبة

المعاقبة تكتب : بدلاً من أن يستفزك الآخرون، أشفق عليهم

المعاقبة تكتب : بدلاً من أن يستفزك الآخرون، أشفق عليهم
22 الإعلامي   -

بقلم : د.ثروت  المعاقبة

رحلة الوعي.....ليست رحلة نبحث فيها عن إجابات لأسئلة الآخرين، بل هي رحلة نكتشف فيها أنفسنا، ونفهم ما نشعر به، ونعيد النظر في أفكارنا وقناعاتنا وانطباعاتنا..... إنها رحلة تبدأ من الأعماق، عندما يدرك الإنسان  أن النضج هو مقدار   فهمه للحياة، وكيفية التعامل مع المواقف بحكمة ودراية.

فكلما ارتفع وعينا بالمحيط الذي نعيش فيه، أدركنا بأن لا شيء يستحق الرد أو  الاهتمام، وأن راحة النفس تبدأ حين نعرف أنفسنا حق المعرفة، وأن نختار معاركنا، ونتعلم متى يمكننا أن نتحدث بكل راحة ومتى نتوقف عن الحديث ويكون الصمت هو الأبقى حينها ، وفي رحلة الوعي أيضا نعلم أمورا كثيرة منها  متى نقترب من الآخرين ومتى نبتعد عنهم ونكيفية الحفاظ على المسافة وعدم الخسارة.

رحلة الوعي هي أن تصبح أكثر  وهدوءا ونضجا من نفسك القديمة، ففي الحياة، ستقابل أشخاصا يحاولون استفزازك، واستدراجك إلى جدالات عقيمة وبلا فائدة، لأنهم ببساطة شديدة يريدون إثارة غضبك، لا لأنهم يمتلكون حجة أقوى، بل لأنهم لا يعرفون كيف يتعاملون مع الاختلاف إلا بإزعاج الآخرين والنيل منهم.

وحينما يرتفع  مستوى وعيك  تصبح أرقى من أن تنجرف وراء أي تصرف ، وستتغير  أيضا طريقة تعاملك مع الآخرين. لن تغضب، ولن تشعر بأنك مضطر إلى تبرير تصرفاتك في كل موقف، ولن تخوض معارك لا تضيف إلى حياتك شيئا...... ستتعلم أن الصمت حكمة، والتجاهل  أصل القوة، والانسحاب من الجدال العقيم انتصار للنفس لا هزيمة لها.

بدلا من أن يستفزك الآخرون، أشفق عليهم،  ليس من باب التعالي أو التقليل من شأنهم، بل لأنك تدرك تماما أن الإنسان حين يعجز عن التعبير، قد يلجأ إلى تجريح وإهانة الآخرين، وحين يعجز عن إقناعك بالحجة، قد يحاول جاهدا استفزازك، وحين لا يستطيع الوصول إليك،  سيسعى إلى سرقة سلامك الداخلي.

ولكن تذكر أن السمو لا يعني أن ترى نفسك أفضل من الآخرين، بل أن تتعامل مع الجميع رغم اختلافهم، فالوعي ليس في أن تنتصر في كل نقاش، بل أن تعرف أي النقاشات تستحق أن تخوضها، وأي الأشخاص يستحقون أن تمنحهم الوقت والإهتمام، ومتى يكون الابتعاد هو القرار الأكثر حكمة وصواب.

لا تسمح لأحد أن يسحبك إلى مستوى أقل منك ولا يشبهك، ولا تمنح الآخرين فرصة  تعكير صفو يومك، فليس من النضج أن ترد على كل إساءة، وليس من القوة أن ترفع صوتك لتثبت أنك على حق.....

تذكر  أن هدوءك ليس ضعفا، وتجاهلك ليس عجزا، وتعاطفك لا يعني قبول الإساءة والتجاوز عنها.... يمكنك أن تكون راقيا وحازما في الوقت نفسه، وأن تسامح دون أن تسمح بتكرار الأذى، وأن تحترم الآخرين دون أن تتنازل عن مبدئك.

رسالتي لك انت ....نعم أنت المقصود، لا تجعل سلوك الآخرين يحدد من تكون.... ارتق  بوعيك، واحفظ سلامك الداخلي، واختر معاركك بعناية، فالعمر أقصر من أن تقضيه في إثبات نفسك لمن لا يريد أن يفهمنا، فالحياة أجمل من أن تبدد طاقتك في الرد على كل مستفز ....فأرقى درجات الوعي أن ترى الاستفزاز، فتختار ألا تستفز، وأن تدرك الإساءة، فتختار ألّا تصبح نسخة مكررة ممن أساء إليك.

كن هادئا ورزينا  لأنك تعرف قيمة نفسك،. فبعض المواقف لا تحتاج إلى رد، وبعض الأشخاص لا يحتاجون إلى مواجهة، بل يحتاجون إلى مسافة آمنة تحفظ لك سلامك  الداخلي وكرامتك في آن معا.