بقلم : الدكتور طارق أحمد عمرو
يأتي خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في مجلس الأمة، في افتتاح الدورة العادية لمجلس النواب، ليؤكد مكانة الأردن ودوره المحوري في التعامل مع القضايا العربية المصيرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي ظلت على الدوام قضية المملكة المركزية، وجزءاً لا يتجزأ من أمنه الوطني.
ويعكس الخطاب الملكي رؤية سياسية تستند إلى ثوابت راسخة، تجمع بين الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ورفض الاعتداءات الإسرائيلية، والعمل على حماية استقرار المنطقة وصون أمنها ومستقبل شعوبها.
ولا يمكن قراءة خطاب العرش بمعزل عن الظروف الإقليمية والدولية الدقيقة التي تمر بها المنطقة، وما تشهده من تحديات سياسية وأمنية وإنسانية متزايدة، الأمر الذي يجعل من الموقف الأردني المتوازن والحازم ضرورة ملحة للحفاظ على الحقوق العربية، ومنع اتساع دائرة الصراع.
فالقضية الفلسطينية في صدارة الموقف الأردني
كما تتجلى أهمية الخطاب الملكي في تأكيده أن تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحقق دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه. وهذه العبارة تختصر جوهر السياسة الأردنية، التي ترفض التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة إنسانية عابرة، وتتمسك بها بوصفها قضية شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس.
لقد ركز جلالة الملك على استمرار الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، والاعتداءات المتواصلة في الضفة الغربية والقدس، رغم المطالبات الدولية بوقف الانتهاكات الإسرائيلية، وهذا التشخيص الملكي يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية، ويؤكد أن الصمت عن معاناة الفلسطينيين لا يمكن أن يكون داعماً لتحقيق السلام المنشود والاستقرار في المنطقة.
كما أوضح جلالته أن الأطماع التوسعية الإسرائيلية تمثل أكبر تهديد لمستقبل المنطقة وآمالها، وهذا بيان يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن التوسع والاستيطان وفرض الوقائع بالقوة لن يحقق الأمن، ولن يمنح الاحتلال شرعية على حساب الحقوق الفلسطينية المشروعة.
ومن هنا، فإن الخطاب لا يكتفي بإعلان التضامن مع الشعب الفلسطيني، بل يربط مستقبل المنطقة بمستقبل القضية الفلسطينية، ويؤكد أن أي تسوية سياسية لا تقوم على العدالة واحترام الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ستظل تسوية هشة، عاجزة عن معالجة جذور الصراع.
كما يتبين أن كشف الممارسات الإسرائيلية ورفض شرعنة الاحتلال
من أبرز الرسائل التي حملها خطاب العرش مجدداً رفضه الواضح للممارسات الإسرائيلية التي تستهدف الإنسان الفلسطيني وأرضه ومقدساته؛ فالاعتداءات على المدنيين، واستمرار الحصار والمعاناة الإنسانية في غزة، والتصعيد في الضفة الغربية والقدس، وتهجير المواطنين في مدينة الخليل ليست أحداثاً منفصلة عن بعضها، وإنما تشكل جزءاً من واقع سياسي وأمني ينتهجه الاحتلال الإسرائيلي ما يهدد فرص السلام والاستقرار.
ويكتسب الموقف الملكي أهمية خاصة في تأكيده أن القوة لا تمنح الشرعية، وأن الزمن لا يمحو الحقيقة، وهذه رسالة تعبر عن رفض الأردن لمحاولات فرض الأمر الواقع بالقوة، أو تصوير الاحتلال والتوسع باعتبارهما أمراً مقبولاً أو قابلاً للتطبيع دون معالجة الحقوق الفلسطينية.
كما أن الإشارة إلى استمرار الانتهاكات الإسرائيلية رغم المطالبات الدولية تعكس ضرورة الانتقال من مرحلة البيانات والإدانات إلى إجراءات عملية تضمن حماية المدنيين، ووقف الاعتداءات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفقاً للقانون الدولي.
ويؤكد هذا الموقف أن الأردن لا يتعامل مع القضية الفلسطينية بمنطق المصالح الآنية أو الحسابات السياسية الضيقة، بل ينطلق من قناعة راسخة بأن العدالة للشعب الفلسطيني شرط أساسي لأي مستقبل آمن في المنطقة؛ فاستمرار الاحتلال الإسرائيلي وما يرافقه من انتهاكات لن يؤدي إلا إلى تعميق مشاعر الظلم، وتوسيع دائرة التوتر، وتهديد فرص التعايش والسلام.
لقد جدد جلالة الملك الالتزام الهاشمي بالقضايا العربية المصيرية في خطابه من خلال التأكيد على ثبات الأردن على مواقفه القومية، وتمسكه بعروبته ودفاعه عن قضايا الأمة، مستحضراً النهج الهاشمي في الدفاع عن الحقوق العربية وصون كرامة الشعوب.
وتبرز في هذا السياق أهمية القضية الفلسطينية بالنسبة إلى الأردن، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي والروابط التاريخية والإنسانية، وإنما أيضا لما تمثله من قضية مركزية في الوجدان العربي والإسلامي.
ويعكس الخطاب رؤية أردنية تعتبر أن قوة الموقف العربي تكمن في وحدة الصف وتنسيق الجهود، وأن التحديات التي تواجه المنطقة تتطلب موقفاً عربياً موحداً، يمكن من خلاله حماية المصالح الوطنية والقومية، والتصدي لمحاولات تفتيت المنطقة وإضعاف دولها.
ومن هذا المنطلق، فإن دعوة جلالة الملك إلى بقاء الكلمة العربية الموحدة هدفاً وغاية، تؤكد أن الأردن يسعى إلى تعزيز العمل العربي المشترك، انطلاقاً من إيمانه بأن التضامن العربي ليس مجرد شعار سياسي، بل ضرورة استراتيجية لمواجهة التحديات المتزايدة.
وفيما يتعلق بالأمن القومي العربي والأمن الوطني الأردني، لم ينفصل الموقف الأردني من القضية الفلسطينية عن اهتمام جلالة الملك بأمن الأردن واستقراره وسيادته، فقد أكد الخطاب أن الأردن سيبقى عصياً على كل معتد، مشيداً بجهود القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية في حماية الوطن وصون أمن المواطنين من أي اعتداء إرهابي.
ويكشف هذا الترابط بين الموقفين الوطني والقومي عن إدراك عميق لطبيعة التحديات التي تواجه المنطقة؛ فالأمن الأردني لا يمكن عزله عن محيطه العربي، كما أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق على حساب الحقوق الفلسطينية أو من خلال تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية.
وتتضاعف أهمية هذه الرؤية في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات وتوترات، وما قد تفرضه من تحديات على أمن الدول العربية واستقرارها، ومن هنا، فإن التزام الأردن بحماية حدوده وسيادته، ورفضه لأي اعتداء على أراضيه أو تهديد لمصالحه الوطنية، يمثل جزءاً أساسياً من دوره في حماية الأمن القومي العربي.
كما أن تأكيد جلالة الملك على صلابة الدولة الأردنية وتماسك شعبها يعكس قناعة راسخة بأن الجبهة الداخلية القوية هي الركيزة الأساسية لمواجهة التحديات الخارجية، وأن الوحدة الوطنية والوعي الشعبي يشكلان مصدر قوة للدولة في مختلف الظروف.
وختاماً؛ فإن خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني يمثل تجديداً واضحاً لثوابت السياسة الأردنية، وتأكيداً على أن القضية الفلسطينية ستبقى في مقدمة الأولويات الوطنية والعربية، فهو خطاب يجمع بين رفض الممارسات الإسرائيلية والأطماع التوسعية، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، والتمسك بالهوية العربية، والعمل على حماية أمن الأردن واستقرار المنطقة.
فأهمية الخطاب تكمن في ربطه بين العدالة والسلام، وبين الحقوق الفلسطينية والأمن القومي العربي، مؤكداً أن تجاهل القضية الفلسطينية لن يؤدي إلى الاستقرار، وأن فرض الحلول بالقوة لن يصنع سلاماً دائماً.
فالأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، يواصل أداء دوره التاريخي في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وتعزيز التضامن العربي، والعمل من أجل مستقبل يسوده الأمن والعدل والسلام، وسيبقى الموقف الأردني ثابتاً في الدفاع عن الحقوق العربية، مؤمناً بأن قوة الأمة تكمن في وحدتها، وأن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا باحترام حقوق الشعوب وصون كرامتها.
اسم الكاتب : الدكتور طارق أحمد عمرو
الدكتور طارق عمرو يكتب : خطاب العرش السامي - ثوابت المواقف الأردنية تجاه القضية الفلسطينية والأمن القومي العربي
الثلاثاء - pm 02:23 | 2026-11-03
22 الإعلامي -









