بقلم: حسام صندوقة / ناشر موقع 22 الاعلامي
ليس أمن الأردن واستقراره قضية تحتمل المجاملة أو التهاون، وليس الحفاظ على سلامة أبنائه مسؤولية مؤسسة بعينها، بل هو واجب وطني تتشارك فيه الدولة ومؤسساتها والمجتمع بكل مكوناته. فالأردن الذي صمد في وجه التحديات، وحافظ على وحدته الوطنية رغم ما أحاط به من أزمات، لا يجوز أن يكون أمنه واستقرار مجتمعه مجالاً للتجريب أو التساهل مع أصحاب الفكر المتطرف الذين يستبيحون الدماء ويهددون حياة الأبرياء.
لقد أعادت الجريمة الإرهابية التي استهدفت مواطنين قرية حمود بمحافظة الكرك، وما شهدناه اليوم من اعتداء أودى بحياة أحد رجال الأمن أثناء تأدية واجبه، التأكيد على حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا: أن الفكر التكفيري والمتطرف ليس مجرد خطاب منحرف أو رأي شاذ، بل خطر حقيقي حين يتحول إلى سلوك إجرامي يستهدف الإنسان والدولة والمجتمع، ويهدد السلم الأهلي ويضرب قيم التعايش التي تشكل جزءاً أصيلاً من هوية الأردن وتاريخه.
الموقف الوطني الحازم يجب ألا يتوقف عند الإدانة والاستنكار، ولا أن ينتهي عند ملاحقة الجناة في كل مرة تقع فيها جريمة. المطلوب اليوم مراجعة جادة وشاملة للتشريعات الناظمة لمكافحة الإرهاب والتطرف، والتأكد من أنها تمتلك من القوة والوضوح ما يكفي لردع مرتكبي الجرائم الإرهابية، وكل من يخطط لها أو يمولها أو يحرّض عليها أو يقدم الدعم لمنفذيها.
وهنا تبرز مسؤولية السلطة التشريعية، في التعامل مع هذا الملف بوصفه أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل. فالمطلوب دراسة التشريعات ذات الصلة، والعمل على تطويرها بما يضمن تشديد العقوبات على الجرائم الإرهابية، ولا سيما تلك التي تستهدف المدنيين ورجال الأمن ودور العبادة، أو تقوم على التحريض المنظم والتجنيد والتمويل وتوفير الدعم اللوجستي للأعمال الإرهابية.
كما ينبغي أن تشمل المراجعة كل حلقة من حلقات الجريمة، فلا تقتصر المسؤولية على من يحمل السلاح وينفذ الاعتداء، بل تمتد، وفق ما يثبته التحقيق وأحكام القضاء، إلى كل من خطط وحرّض وموّل وسهّل وشارك في صناعة الجريمة. فالإرهاب لا يبدأ لحظة إطلاق الرصاصة أو الاعتداء على الأبرياء، وإنما تسبقه في كثير من الأحيان مراحل من التحريض والتعبئة والتخطيط، والتعامل القانوني مع هذه المراحل ضرورة لحماية المجتمع قبل وقوع الجريمة، لا بعدها فقط.
إن المقولة التي تقول «من أمن العقوبة أساء الأدب» ليست مجرد مثل يُستحضر في أوقات الغضب، بل تعكس حقيقة مهمة في بناء الردع: حين يعتقد المجرم أن بإمكانه الإفلات من المحاسبة، أو أن العقوبة لا تتناسب مع خطورة فعله، فإن ذلك ممكن ان يشجع على التمادي. ومن هنا فإن الردع الحقيقي يقوم على قانون واضح، وعقوبة عادلة ورادعة، وتحقيق مهني، وقضاء مستقل، وتطبيق لا يستثني أحداً.
وفي الوقت نفسه، لا بد من أن تكون مراجعة التشريعات جزءاً من مواجهة أوسع للفكر المتطرف، تشمل تجفيف منابعه، وتعزيز دور المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية، ومواجهة خطاب التكفير والكراهية والتحريض، خصوصاً عبر المنصات الرقمية التي قد تتحول إلى أدوات لنشر الأفكار المتطرفة واستقطاب الأفراد. فالقانون يعاقب الجريمة ويحاصر مرتكبيها، لكن الوقاية الفكرية والمجتمعية تمنع نشوء البيئة التي تنتجها.
إن دماء الأردنيين التي أُريقت في الكرك، ودماء رجال الأمن الذين يحمون هذا الوطن، ليست مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل أمانة في أعناق الجميع، ومسؤولية تفرض أن تكون هناك مراجعة حقيقية وإجراءات عملية تترجم المواقف إلى تشريعات وسياسات قابلة للتنفيذ.
لقد أثبت الأردنيون في مختلف المحطات أن وحدتهم الوطنية أقوى من محاولات الفتنة، وأن الإرهاب لن ينجح في تفريقهم أو النيل من تماسكهم. لكن هذه الوحدة تحتاج إلى دولة قوية بقانونها، ومؤسسات حازمة في تطبيقه، وتشريعات صارمه على من يهدد أمن الوطن أو يستهين بأرواح أبنائه.
حفظ الله الأردن وطناً آمناً عزيزاً مستقراً، وحفظ قيادته الهاشمية الحكيمة، وعلى رأسها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وحمى نشامى أجهزتنا الأمنية وقواتنا المسلحة، ورحم شهداء الوطن، وأدام على الأردن نعمة الأمن والأمان والوحدة الوطنية.









