بقلم : المهندس أحمد نضال عواد / الباحث في الأمن الوطني والدراسات الاستراتيجية
لم تمضِ أيام على الاعتداء الآثم الذي استهدف كنيسة حمود في الكرك، حتى فُجعنا اليوم باستشهاد العريف جواد السلايطة رحمه اللّه أثناء أدائه واجبه الوطني في عمّان. وبين الحدثين تتجدد حقيقة راسخة: حماية الوطن تتطلب يقظة أمنية مستمرة، ومنعة فكرية ومجتمعية لا تقل عنها أهمية.
لقد أثبتت أجهزتنا الأمنية مجدداً كفاءتها وسرعة استجابتها، وقدّمت تضحيات جساماً في سبيل أمن الأردن واستقراره. غير أن مواجهة التطرف والإرهاب لا تكتمل بالجهد الأمني وحده، بل تحتاج إلى جهد فكري وتربوي وإعلامي وتنموي يعالج جذور التطرف ويحصّن المجتمع من مخاطره. فالأمن والتنمية مساران متكاملان؛ إذ يسهم الاستقرار في تهيئة بيئة التنمية، وتسهم التنمية في تعزيز الاستقرار وترسيخ منعة المجتمع.
ومن منظور الأمن الوطني والتخطيط الاستراتيجي، فإن المطلوب هو الانتقال من التعامل مع التهديد بعد وقوعه إلى بناء منظومة وطنية استباقية للوقاية والتحصين وتعزيز المنعة والصمود الوطني والتماسك المجتمعي، تقوم على سبعة مرتكزات مترابطة:
أولاً: الإنذار المبكر المجتمعي والوقاية الاستباقية: بتعزيز دور الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد وبيئة العمل في التعرف على المؤشرات السلوكية والفكرية المقلقة، وتوفير قنوات آمنة للإرشاد والإحالة إلى الجهات المختصة، مع احترام الخصوصية وعدم الخلط بين الاختلاف في الرأي أو التدين وبين التطرف. فالوقاية المبكرة تبدأ بالوعي والحوار والاحتواء، لا بالوصم أو الإقصاء.
ثانياً: بناء حضور وطني فاعل في الفضاء الرقمي: من خلال خطاب مضاد للتطرف، احترافي ومستدام، يوظف أدوات الإعلام الحديث وصناعة المحتوى الرقمي، ويعيد تقديم مضامين رسالة عمّان في قوالب معاصرة وجاذبة، قادرة على مخاطبة الشباب بلغتهم، ومواجهة خطاب الكراهية والغلو والتضليل بالحجة والمعرفة.
ثالثاً: تطوير برامج متخصصة لإعادة التأهيل والاندماج المجتمعي: وفق تقييم فردي لكل حالة، داخل مراكز الإصلاح والتأهيل وبعد الإفراج، تجمع بين المراجعة الفكرية والدعم النفسي والاجتماعي والتأهيل التعليمي والمهني، مع توفير المتابعة اللاحقة، بما يحد من احتمالات الانتكاس ويعزز فرص العودة الإيجابية إلى المجتمع.
رابعاً: إطلاق مبادرة وطنية بعنوان «الفكر بالفكر» لبناء المناعة الفكرية: تقوم المبادرة على برنامج تفاعلي منتظم، يستهدف ترسيخ منظومة من القيم والأخلاق والسلوكيات الإيجابية، من خلال محتوى يومي أو أسبوعي يناسب الفئات العمرية والبيئات المستهدفة.
وفي هذا السياق، يمكن اعتماد كتاب «رياض الصالحين» للإمام النووي أحد المراجع الأساسية للمبادرة، لما يتضمنه من أحاديث نبوية تتناول مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، إلى جانب مصادر دينية ووطنية وإنسانية تعزز القيم المشتركة واحترام الإنسان وقبول الاختلاف ونبذ الغلو والتطرف.
ويمكن تنفيذ المبادرة في المدارس والجامعات والمساجد والنقابات ومراكز الشباب ومراكز الإصلاح والتأهيل ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب، وفق محتوى يتناسب مع طبيعة كل بيئة، وبتنسيق تقوده وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية بالشراكة مع وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والشباب و الوزارات والمؤسسات الوطنية ذات العلاقة.
إن جوهر المبادرة هو أن نواجه الفكر بالفكر، وأن نجعل القيم والأخلاق والدعوة إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة أساساً لبناء الوعي والمنعة المجتمعية.
خامساً: تطوير مناهج تعليمية وتدريبية للقيم ووالأخلاق والمواطنة وربطها بالأنشطة التطبيقية والعمل التطوعي والمبادرات المجتمعية، بعيداً عن الاقتصار على التلقين النظري. والمطلوب أن تتحول قيم الانتماء والاعتدال واحترام القانون والمسؤولية وقبول الآخر إلى سلوك يومي، وأن تسهم المؤسسات التعليمية والتدريبية في بناء التفكير النقدي والقدرة على التمييز بين المعرفة والشائعة، وبين الاختلاف والتعصب .
سادساً: تعزيز تأهيل الأئمة والخطباء والمعلمين وقادة مؤسسات المجتمع المدني والمؤثرين باعتبارهم من أبرز الفاعلين في تشكيل الوعي المجتمعي والفكري، من خلال برامج متخصصة لتعزيز قدراتهم في الحوار والإقناع والتواصل مع الشباب، وتفنيد الشبهات ومواجهة خطاب الكراهية والتضليل، وتوظيف أدوات العصر في تقديم خطاب يقوم على الحكمة والمعرفة والاعتدال، ويفهم أسئلة الجيل الجديد ويجيب عنها بلغة قريبة من واقعه وتحدياته.
سابعاً: تمكين الشباب واستثمار طاقاتهم في التنمية الوطنية : وهنا يقع على وزارة الشباب دور محوري، بالتكامل مع الوزارات والمؤسسات المعنية، وبالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب السياسية والقطاع الخاص، لتطوير فرص مستدامة في التعليم والتدريب والتشغيل والريادة والابتكار والعمل التطوعي. فالشباب ليسوا مجرد فئة مستهدفة ببرامج الوقاية، بل شركاء أساسيون في صناعة الوعي وحماية المجتمع وبناء المستقبل. وكلما اتسعت أمامهم فرص المشاركة والإنجاز، تعززت منعتهم أمام محاولات الاستقطاب والتهميش.
ولا ينبغي لهذه المرتكزات السبعة أن تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن إطار وطني مؤسسي موحد، تتكامل فيه الأدوار والمسؤوليات، وتُحدد فيه الأولويات ومؤشرات قياس الأثر، وتُراجع نتائجه بصورة دورية؛ حتى لا تبقى المبادرات جهوداً متفرقة، بل تتحول إلى برامج مستدامة تسهم في بناء المنعة الفكرية والمجتمعية وعلى نحو يتكامل مع الجهود العسكرية والأمنية التي تبذلها القوات المسلحة الأردنية الجيش العربي والأجهزة الأمنية.
فالأمن الحقيقي لا يُقاس بقدرة الدولة على إحباط التهديدات فحسب، بل بقدرتها على منع نشوء أسبابها، وتعزيز ثقة المجتمع بمؤسساته، وتحصين أجياله بالفكر والمعرفة والقيم والانتماء.
إن المنعة الوطنية تُبنى بالاستباق، والصمود يكتمل بتماسك المجتمع خلف قيادته ودولته ومؤسساته، والوعي بمخاطر الشائعات وخطابات التحريض، والالتزام بالمعلومات الصادرة عن مصادرها الرسمية، بما يحفظ أمن الوطن ووحدته واستقراره.
نسأل اللّه أن يحفظ أردنّنا الغالي آمناً مستقراً عزيزاً منيعاً مزدهراً في ظلّ قيادتنا الهاشمية الحكيمة الملهمة، والنجمة السباعية تستحق منا جميعاً الأفضل دائماً.









