×
آخر الأخبار

هند عمر تكتب : التنمر الصامت .. حين لا يُرى الأذى

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : المرشدة التربوية هند عمر

في البيئة المدرسية، لا يبدأ التنمر دائمًا بصوت مرتفع، ولا يظهر في صورة شجار أو كلمات جارحة واضحة. أحيانًا، يبدأ بصمت… بهدوء لا يلفت الانتباه، لكنه يتسلل إلى تفاصيل العلاقات اليومية بين الطلبة، حيث يتحول القبول إلى إقصاء، والانتماء إلى شعور خفي بالرفض.
قد لا تكون هناك إساءة مباشرة يمكن الإشارة إليها، لكن المؤشرات تظهر في أنماط التفاعل: تجاهل غير مبرر، انسحاب اجتماعي، أو شعور متكرر بعدم الاندماج داخل المجموعة. هذا النمط يُعرف في الأدبيات التربوية بـالتنمر العلاقي أو التنمر الصامت، وهو أحد أكثر أشكال الأذى النفسي تعقيدًا، لأنه يحدث دون مواجهة مباشرة، ويصعب رصده أو توثيقه.
تشير تقارير World Health Organization إلى أن التنمر يُعد من أبرز التحديات التي تواجه الصحة النفسية لدى الأطفال والمراهقين عالميًا، حيث يتعرض عدد كبير من الطلبة لأشكال مختلفة منه خلال سنوات الدراسة. كما تُظهر الدراسات الدولية أن ما يقارب واحدًا من كل ثلاثة طلبة قد يختبر تجربة تنمر بشكل أو بآخر، بما في ذلك الأنماط غير المباشرة التي تكون أقل وضوحًا وأكثر تأثيرًا على المدى النفسي.
ورغم هدوء هذا النوع من التنمر، إلا أن أثره عميق. فهو يرتبط بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، وانخفاض تقدير الذات، وزيادة الشعور بالوحدة. ومع الوقت، قد يتحول هذا الشعور إلى قناعة داخلية سلبية، حيث يبدأ الطالب بتفسير ما يحدث على أنه انعكاس لعدم قيمته أو عدم استحقاقه للقبول.
تكمن خطورة التنمر الصامت في أنه لا يترك دليلًا واضحًا، مما يجعله يُفسَّر أحيانًا على أنه تفاعلات عادية أو خلافات عابرة. لكن في الواقع، هو شكل من أشكال الإيذاء الاجتماعي الذي يستهدف حاجة أساسية لدى الإنسان: الشعور بالانتماء.
من هنا، تبرز أهمية توسيع مفهوم التنمر داخل البيئة المدرسية، بحيث لا يقتصر على السلوك العدواني المباشر، بل يشمل أيضًا كل ما يمس الشعور بالأمان النفسي والانتماء الاجتماعي. كما يتطلب ذلك دورًا أكثر عمقًا للإرشاد التربوي، قائمًا على الملاحظة الواعية، وبناء الثقة، وقراءة ما وراء السلوك الظاهر.
وفي ظل التحول الرقمي، لم يعد هذا النوع من الأذى محصورًا داخل أسوار المدرسة، بل امتد إلى الفضاء الإلكتروني، مما يستدعي توظيف أدوات الإرشاد الرقمي كقنوات آمنة للتعبير والكشف المبكر عن المعاناة.
في النهاية، قد لا نسمع صراخًا…
وقد لا نرى دموعًا…
لكن ذلك لا يعني أن الأمور بخير.
فهناك من يعيش تجربة الإقصاء بصمت،
ويخوض أثرها وحده.
ليس كل تنمر يُرى…
لكن كل تنمر يُشعَر به.