بقلم: نور الصمادي / ماجستير في التربية الخاصة في الطفولة - الجامعة الهاشمية
كثيراً ما يقف الآباء والمربون حائرين أمام نوبة غضب مفاجئة، أو صراخ، أو بكاء مستمر، أو حتى إصرار غريب من الطفل على الرفض. في تلك اللحظات، قد نشعر بالإحباط، لكن السر يكمن في كيفية رؤيتنا للموقف وفهمنا له.
ولفهم ما يريد الأطفال قوله عبر سلوكهم، علينا أن ننظر إلى هذا السلوك كـ "رأس جبل الجليد"؛ فما نراه في الأعلى هو التصرف الظاهر فقط، ولكن تحت السطح تكمن احتياجات ومشاعر عميقة وغير معبر عنها.
وفي علم "تحليل السلوك الوظيفي"، نحن لا نسأل: "ماذا فعل الطفل؟" بل نطرح السؤال الأهم: "لماذا فعل ذلك؟". إن السلوك الإنساني في أصله سلوك مقصود، ولا يوجد سلوك عشوائي يظهر من العدم، بل هو بمثابة وسيلة تواصل ذكية يستخدمها الطفل للتعبير عن نفسه، ومشاعره، واحتياجاته التي قد لا يسعفه الكلام أو النضج للتعبير عنها بشكل مباشر.
ويُعرف تحليل السلوك الوظيفي بأنه إجراء يستند إلى دليل علمي يهدف إلى تحديد الغاية من حدوث سلوك ما، وذلك بغرض تطوير خطة دعم سلوكي إيجابي. هذا الإجراء يسير في خطوات محددة ويتم تطبيقه من قِبل فريق متخصص متكامل، وعندما نقوم به بطريقة صحيحة فإن النتائج الإيجابية تكون مضمونة.
ولكي نفك شفرة تصرفات أطفالنا، علينا أن ندرك أن أي سلوك يصدر منهم يقع غالباً ضمن أربع وظائف أساسية يسعى الطفل لتحقيقها. فقد يكون الهدف هو لفت الانتباه والرغبة في التواصل أو الشعور بالأهمية والاهتمام ممن حوله. وفي أحيان أخرى، يكون السلوك محاولة لـ الهروب وتجنب مهمة صعبة أو موقف غير مريح بالنسبة له. كما يلجأ الطفل للسلوك أحياناً بغرض الحصول على شيء ملموس مثل طعام، أو لعبة، أو نشاط معين يحبه. وأخيراً، قد يكون التصرف نابعاً من رغبة في تلبية حاجة حسية لتخفيف توتر داخلي أو السعي وراء شعور بالراحة الجسدية.
وبعد أن يتم تحديد السلوك المشكل وفهم الوظيفة الكامنة وراءه، يبدأ التدخل العلاجي والتربوي من خلال ثلاثة محاور متكاملة تعتمد على الذكاء والوعي. يركز المحور الأول على تغيير المثيرات القبلية، ونعني بذلك إزالة أو تعديل الدافع والسبب الذي يثير هذا السلوك المشكل من الأساس قبل حدوثه. ويأتي المحور الثاني ليعمل على تغيير المثيرات البعدية، وذلك من خلال سحب المعزز أو المكافأة التي يحصل عليها الطفل (سواء بقصد أو دون قصد) عند قيامه بالتصرف الخاطئ. أما المحور الثالث والأهم، فهو تعليم سلوك بديل؛ فبدلاً من الاكتفاء بمنع الطفل، نقوم بتوجيهه لكيفية طلب ما يريد بطريقة صحيحة وقبولة، فمثلاً، بدلاً من الصراخ عند طلب الماء، نعلّم الطفل وندربه على كيفية طلب الماء بهدوء واستخدام الكلمات المناسبة.
رسالة لكل مربٍّ:
عندما يبدأ طفلك بالصراخ في المرة القادمة، تذكر جبل الجليد.. وتوقف لتسأل نفسك بهدوء: "ما الذي يحاول طفلي إخباري به خلف هذا السلوك؟"






