×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : فادي زواد السمردلي

فادي السمردلي يكتب: خطاب الاستقلال الـ80 تحت المجهر.. رسائل الثقة بالدولة ورهان المستقبل

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : فادي زواد السمردلي
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال

لم يكن خطاب جلالة الملك عبدﷲ الثاني في عيد الاستقلال الثمانين خطاب مناسبة عابرة تُقال فيه الكلمات المعتادة ثم ينتهي أثرها بانتهاء الحفل فمن استمع إلى الخطاب جيدًا يلاحظ أنه حمل ما هو أبعد من الاحتفاء بذكرى وطنية راسخة في الوجدان الأردني فكان خطابًا مشحونًا بالمعنى السياسي والوجداني معًا، ومحمّلًا برسائل مدروسة أراد الملك إيصالها إلى الداخل الأردني أولًا، وإلى كل من يراقب الأردن في الإقليم أيضًا.

في الشكل، بدا الخطاب هادئًا وواثقًا ومباشرًا وفي المضمون، كان خطاب دولة تعرف نفسها جيدًا، وتعرف أين تقف، وتعرف إلى أين تريد أن تصل فلم يتحدث الملك فقط عن ثمانين عامًا من الاستقلال بوصفها رقمًا تاريخيًا يُحتفل به، بل تعامل معها كمسيرة متواصلة من البناء والثبات والاختبار، وكأن الرسالة الأساسية منذ اللحظة الأولى كانت واضحة الأردن لا يحتفل بالماضي فقط، بل يستند إليه ليواصل التقدم.

أبرز ما يمكن التقاطه من الخطاب هو رسالة الثقة بالدولة الأردنية فهذه الثقة حضرت بوضوح في اللغة التي اختارها الملك، وفي المفردات التي كررها أكثر من مرة الثبات، الصمود، القدرة، اليقين، والمضي إلى الأمام فكان واضحًا أن الخطاب يريد ترسيخ فكرة أن الأردن، رغم كل ما مرّ به وما يحيط به، ما يزال دولة قوية متماسكة، قادرة على حماية نفسها ومؤسساتها وخياراتها.

وحين قال الملك إن الأردن "يعرف نفسه، ويعرف وجهته، ويعرف خياراته"، لم تكن جملة بلاغية عابرة فبدت وكأنها تعريف سياسي مكثف للدولة الأردنية في هذه المرحلة دولة لا تتحرك تحت ضغط اللحظة، ولا تغيّر بوصلتها تحت تأثير الأزمات، بل تواصل السير ضمن رؤية واضحة وثابتة وفي منطقة تتبدل فيها المواقف سريعًا وتضطرب فيها الحسابات، تحمل هذه الرسالة وزنًا سياسيًا كبيرًا.

لكن اللافت في الخطاب أنه لم يذهب نحو المبالغة في الاحتفاء أو الاكتفاء باستعراض الإنجازات فكان هناك قدر واضح من الواقعية والصراحة فالملك لم يتجاهل التحديات، ولم يقدّم صورة مثالية منفصلة عن الواقع اليومي للأردنيين بل قال بوضوح إن الثقة لا تعني إنكار الصعاب أو تجاهلها. وهنا تظهر واحدة من أهم رسائل الخطاب الاعتراف بالتحديات، مع رفض الاستسلام لها.

هذه نقطة بالغة الأهمية في خطاب موجه إلى مجتمع يواجه ضغوطًا اقتصادية ومعيشية وأسئلة كبيرة حول المستقبل فالرسالة هنا لم تكن "كل شيء بخير"، بل كانت أقرب إلى: نعم، الطريق ليس سهلًا، لكننا نعرف حجمه، ونملك القدرة على تجاوزه وهذه اللغة تحديدًا هي التي منحت الخطاب مصداقيته وقربه من الناس.

وفي جانب آخر، حمل الخطاب رسالة هوية وطنية عميقة فحين استحضر الملك تاريخ الأردن، وتحدث عن أرض الحضارات، وعن مكانتها الدينية والإنسانية، لم يكن ذلك استدعاءً تاريخيًا للاحتفال بالماضي فقط، بل تثبيتًا لرواية الأردن عن نفسه بلد يمتلك جذورًا ضاربة في التاريخ، ومكانة تتجاوز حجمه الجغرافي، ودورًا أكبر من حدوده.

ثم جاءت اللغة الوجدانية في الخطاب لتمنحه بُعدًا آخر. استخدام الملك لعبارات مثل "أهلي"، "عزوتي"، "شعبي الوفي"، و"عائلتي الأردنية" لم يكن مجرد أسلوب خطاب، بل جزءًا من الرسالة نفسها فكان واضحًا أن هناك حرصًا على مخاطبة الأردنيين بلغة قريبة منهم، تُشعرهم بأن الحديث معهم لا إليهم ،لغة تؤكد أن العلاقة بين القيادة والشعب ليست فقط علاقة دولة بمواطنيها، بل علاقة شراكة ومسؤولية ومصير مشترك.

أما الرسالة الأبعد أثرًا في الخطاب، فكانت الرسالة الموجهة نحو المستقبل فبرغم أن المناسبة ترتبط بذكرى الاستقلال، لم يكن الخطاب أسير الماضي، بل كان مشدودًا إلى القادم. الحديث عن "العقد التاسع من الاستقلال" لم يأتِ بوصفه انتقالًا زمنيًا فقط، بل كعنوان لمرحلة جديدة يُراد لها أن تبدأ بثقة أكبر بالنفس، وبالدولة، وبقدرة الأردنيين على صناعة مستقبلهم.

وهنا يمكن القول إن الملك حاول أن ينقل المناسبة من إطارها الاحتفالي إلى إطار سياسي ووطني أوسع فمن ذكرى الاستقلال إلى معنى الاستمرار، ومن استذكار الإنجاز إلى التفكير فيما بعد الإنجاز، ومن الاعتزاز بالماضي إلى الرهان على المستقبل.

في المحصلة، يمكن قراءة خطاب الاستقلال الثمانين بوصفه خطابًا يقوم على ثلاث رسائل مركزية مترابطة.الثقة بالدولة، والاعتراف بالتحديات دون الانكسار أمامها، والإيمان بالمستقبل بوصفه امتدادًا طبيعيًا لمسيرة الدولة الأردنية.

كان خطابًا يقول للأردنيين إن دولتهم ما تزال ثابتة رغم كل ما حولها، وإن صعوبات المرحلة لا تُلغي القدرة على تجاوزها، وإن الأردن وهو يدخل عقده التاسع لا يقف عند حدود ما أنجز، بل ينظر إلى الأمام بثبات أكبر. وربما كانت هذه هي الرسالة الأوضح التي أراد الملك إيصالها أن الأردن، بعد ثمانين عامًا من الاستقلال، لا يزال يمضي بثقة… ويعرف طريقه جيدًا.