بقلم: د. أسامة حمدان الرقب
في غمرة احتفالات الأسرة الأردنية الواحدة بالذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، لم يكن خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه مجرد مراجعة تاريخية عابرة أو بروتوكولاً مناسباتياً، بل جاء بمثابة وثيقة إستراتيجية شاملة ورؤية سيادية رفيعة المستوى، وضع فيها قائد الوطن مفاصل الدولة ومؤسساتها أمام قراءة عميقة تعيد تعريف الهوية الوطنية، وتفكك معادلة الصمود الأردني في وجه الأمواج الإقليمية والدولية العاتية.
إن هذا الخطاب يمثل خارطة طريق للعقد التاسع من عمر الدولة، حيث امتزجت فيه لغة العاطفة الأبوية بصرامة التحليل السياسي والواقعية الاقتصادية والجيوسياسية. وفي هذه القراءة، نفكك مضامين الرسائل الملكية السامية، ونربطها بواقع الإنجاز، وحسن الإدارة، والحنكة الهاشمية التي عبرت بالوطن نحو بر الأمان، متجاوزةً أعتى حقول الألغام السياسية والأمنية في التاريخ الحديث للمنطقة.
استهل جلالة الملك خطابه بتحية وجدانية عميقة، حملت دلالات سياسية بالغة الأهمية حين قال: "أحييكم من أردنٍ لم يخذل أهله يوماً، أحييكم في ذكرى استقلال حاضر معنا نصونه أمانة وعهداً وميثاقاً، ثمانون عاماً والرهان معقود على شعب أصيل عتيد ثابت على مبادئه، وفي كل خطوة من هذه المسيرة كان الوطن لنا قبلة وملاذاً". هنا يؤصل جلالته لوفاء الدولة ومفهوم "الوطن الملاذ"؛ فعلى مدى ثمانية عقود، أثبتت القيادة عبر حسن الإدارة والمنظومة الأمنية الاستباقية أن الأردن هو واحة الاستقرار في إقليم ملتهب. وتستند هذه المصارحة إلى شواهد حية وتحديات وجودية تكسرت على صخرة الجبهة الداخلية، بدءاً من فوضى ما يُعرف بـ "الربيع العربي" الذي هدم دولاً بأكملها، بينما استطاع الأردن بحنكة قيادته وإصلاحاته الهادئة تحويل ذاك التحدي إلى فرصة لتمتين بنيانه الدستوري والعسكري، ليكون الاستقلال حالة معيشة لا مجرد ذكرى، مستنداً إلى سر المعادلة الأردنية الاستثنائية القائمة على الثقة المتبادلة والعهد والتوحد خلف القيادة.
ثم عرج جلالته إلى الجذور الضاربة في عمق التاريخ البشري، مؤكداً: "لم يكن الأردن يوماً هامشاً في سرد البشرية، بل موطناً للأمم وأرضاً للوئام، على ضفة نهره تعمد المسيح، وفي ربوعه عاش الصحابة والتابعون، وعلى أرضه عاشت حضارات قدمت للعالم دروساً في المنعة والصمود". هذه العبارة هي الرد الملكي الحاسم على مشككي الشرعية التاريخية، فالقيادة الهاشمية توظف هذا الإرث كمنصة قوة ومرتكز إستراتيجي في السياسة الخارجية لانتزاع مكانة دولية فريدة؛ وترجمتها الدولة عبر "رسالة عمان" ومبادرة "أسبوع الوئام العالمي بين الأديان" التي تبنتها الأمم المتحدة بجهد ملكي مباشر عام 2010، إلى جانب تطوير موقع المغطس وصيانة مقامات الصحابة، مما يحول العمق الديني إلى منجز حضاري وسياحي يشهد بأن الأردن قلب التاريخ النابض بالمنعة.
وانتقل جلالة الملك إلى تشخيص العبقرية الأردنية في مواجهة التحديات المباشرة، حيث قال: "فعلمتنا كيف نسعى ونحول الصعاب إلى فرص، والحاضر خير شاهد على ذلك؛ فرغم كل الظروف حافظ الأردن على حدوده وأمنه، وواصل مسيرته الديمقراطية، وجنّب اقتصاده آثار الأزمات". تلخص هذه الفقرة فلسفة إدارة المخاطر، لا سيما في ظل العواصف الأمنية المعقدة على الحدود الشمالية والشرقية، حيث واجه الأردن حرباً ممنهجة قادتها ميليشيات طائفية إقليمية وشبكات تهريب منظمة سعت لتوظيف المخدرات والسلاح كأداة لزعزعة الأمن القومي؛ إلا أن القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي والأجهزة الأمنية، وبتوجيهات مباشرة من جلالته، أحبطت هذا المخطط بحسم واحترافية عسكرية عبر تغيير قواعد الاشتباك. وتبرز الحنكة الجيوسياسية للملك في حماية الأجواء والحدود، والحفاظ على استقلالية القرار السيادي وسط الاستقطاب الحاد وصراع القوى في المنطقة، رافضاً أن يكون الوطن ساحة لتصفية الحسابات.
وفي موازاة هذا الصمود الأمني، تبرز حكمة القيادة في الحفاظ على المنجز الداخلي؛ فلم يتذرع الأردن بالظروف الضاغطة لتأجيل الإصلاح، بل أنجز منظومة التحديث السياسي من خلال قوانين الأحزاب والانتخاب الجديدة، وجرت الانتخابات النيابية بنزاهة ليثبت أن قطار التحديث لا يتوقف. واقتصادياً، نجحت الإدارة الحصيفة في حماية النقد وقوة الدينار، والسيطرة على التضخم ضمن أدنى المستويات بالرغم من انقطاع خطوط التجارة وأزمات الطاقة والغذاء العالمية، مع البدء الفعلي في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي العابرة للحكومات لثلاثة عقود قادمة.
وصاغ جلالة الملك مفهوماً بليغاً لسيكولوجيا الإنسان الأردني حين قال: "هذا وطن عظيم الشان، سخي العطاء، عروبي الهواء، يعتلي لسانه (أبشر) جواباً سابقاً للطلب، ويثق بأن أكتاف أبنائه العراض قوية وقادرة على مواجهة كل التحديات الثقال بلا شكوى". هنا ينتقل جلالته إلى العبقرية الثقافية والنفسية للمواطن؛ فالأردن، ورغم محدودية موارده، فتح ذراعيه لكل مستجير، وقدم نموذجاً عالمياً في العطاء الإنساني، وهو ما يتجلى في الطليعة الأردنية الشجاعة لكسر الحصار عن قطاع غزة عبر الإنزالات الجوية والمستشفيات الميدانية تجسيداً للعروبة الصادقة. كما أن كلمة (أبشر) هي شيفرة النخوة، وتعبير "الأكتاف العراض" يمثل اعترافاً ملكياً بجلَد المواطن وتحمله المسؤولية كشريك حقيقي في صياغة المنعة والصمود.
وفي واحدة من أعمق التجليات الفكرية والسياسية، وضع جلالته قاعدة ذهبية للمستقبل قائلاً: "اليوم لا نحتفل فقط بما أنجزناه، بل بما نمتلك من قدر وقدرة، وليس الفخر غايتنا وإنما ترسيخ ثقتنا بهذا الوطن؛ فوطننا الذي صمد عبر العقود واثق الخطى، مقدام لا يتردد، أبنائي وبناتي، أدرك أن الثقة لا تعني إنكار الصعاب أو تجاهلها، بل تعني مواجهتها بوعي ومسؤولية، هي اليقين بأن الطريق مهما طال أو اشتد لن يوقفنا عن العمل، وأننا في كل مرحلة قادرون على تجاوز أي شيء، هي الإيمان بأن ما وُلد من رحم هذه البلاد الأصيلة لا يُهزم ولا يُكسر". هذه الفقرة تفصل تماماً بين الخطاب الشعوبي الذي يبيع الأوهام، والنهج الهاشمي القائم على الحقائق والخطط المؤسسية المتمثلة في مسارات التحديث الثلاثة، مع ضخ رسالة ثقة وجودية تحمي الدولة من الإحباط وتكرس دورها المحوري كركيزة أساسية لاستقرار الشرق الأوسط.
ولخص جلالته الحالة السيادية بعبارة حاسمة قطعت الطريق على المشككين: "فالأردن يعرف نفسه، ويعرف وجهته، ويعرف خيراته، صقلته التحديات فزاد بأساً وثباتاً، وبهذه الروح وبهذا اليقين نمضي معاً متوكلين على الله نحو عقدنا التاسع من الاستقلال، نمضي أكثر إيماناً بأنفسنا وأكثر قدرة على صناعة مستقبل يليق بالأردن وأبنائه". وهذه الجملة هي ذروة السنام السيادي؛ فالأردن يعرف وزنه الإستراتيجي وتجانس شعبه، ويعرف وجهته الواضحة نحو التحديث داخلياً والدفاع عن قضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وحماية المقدسات بموجب الوصاية الهاشمية تاريخياً خارجياً، ويعرف خيراته المتمثلة في الإنسان المؤهل وثرواته الطبيعية وموقعه الجيوسياسي الذي يُدار اليوم بعقلية الاستثمار وبناء الشراكات الدولية العملاقة.
وختم جلالة الملك هذا الخطاب التاريخي بعهدٍ يختصر عمق الرابطة بين القائد وشعبه: "وأقول لعائلتي الأردنية: بيننا عهد يحفظ في الصدور، الله أعلم به من كل قول". وفي أدبيات السياسة العالمية، تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم الأطر الجافة، أما في الأردن، فإن القيادة الهاشمية ترتقي بها إلى مرتبة العهد المحفوظ في الصدور كميثاق شرف أخلاقي وإنساني يربط الملك بعائلته الأردنية الكبيرة، ويتجسد في وقوف القائد مع المواطن في خندق واحد، يقود السفينة بحكمة وسط الأمواج المتلاطمة.
وخلاصة القول، إن خطاب جلالة الملك في عيد الاستقلال الثمانين هو بيان القوة والمنعة الأردنية، ووثيقة تحليلية تثبت أن الدولة حققت صموداً إيجابياً مبدعاً؛ تمثل في الإنجازات الأمنية الشاملة، والإصلاحات السياسية الشجاعة، والتخطيط الاقتصادي عالي الاحترافية، ليلج الأردن بوعي وثقة بوابات العقد التاسع من استقلاله، عاصياً على الانكسار، ومنارةً للمستقبل والسيادة الحقيقية التي تليق بأبنائه الغر الميامين.






