بقلم: د. أسامة حمدان الرقب
تتسلل الكلمات في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وفق هندسة دقيقة تحفر في عمق الوعي الإنساني والسياسي، مبدعةً مرافعة تاريخية متكاملة الأركان تبدأ من الفلسفة الوجودية لعصرنا وتنتهي عند خطوط الدفاع السيادية عن الأردن والأمن القومي العربي.
ينطلق الخطاب من منعطف فكري غير مسبوق عبر تفكيك مفهوم الانتباه وتحويله من مجرد استجابة سيكولوجية عابرة أمام الشاشات إلى مورد جيوسياسي نادر وحاسم. يضع جلالته المجتمع الدولي أمام مرآة عارية ليكشف أن تجاهل الأزمات ليس وليد صدفة أو غفلة، بل هو خيار إرادي مقصود يحدد بدقة أي النزاعات تنال حصتها من الدبلوماسية المستدامة وأيها يرمى على هامش الذاكرة الدولية قبل أن يتبخر مع تلاشي عدسات الكاميرات. هذا المدخل الفلسفي يمهد الطريق لنقد لاذع لازدواجية المعايير التي تدير ظهرها للحرائق المشتعلة في الإقليم.
من هذا التأسيس النظري، ينتقل السرد الخطابي إلى جغرافية الألم الإنساني المتشعبة، عابراً بدقة متناهية من لبنان إلى اليمن وصولاً إلى السودان، حيث تؤكد الكلمات أن النزاعات الممتدة لا تقبل التجزئة. ولا يكتفي الخطاب بالإشارة المحلية، بل يمد خيوط التحليل نحو التداعيات الاقتصادية العابرة للحدود، رابطاً بين غياب الاستقرار في الشرق الأوسط وبين فواتير الطاقة والغذاء التي تثقل كاهل الأسر البسيطة في مومباي ومدريد ومينيسوتا، في إدانة صارخة لقصر نظر الدول التي تتوهم قدرتها على عزل نفسها عن حرائق الآخرين.
ثم يلج الخطاب إلى قلب المأساة الفلسطينية، متناولاً قطاع غزة بجرأة قانونية وسياسية فريدة. يفكك جلالته وهم "الاحتواء" الذي مارسه المجتمع الدولي عقوداً طويلة، معتبراً أن تحويل المؤقت إلى دائم والدائم إلى نهج مؤسسي هو جريمة سياسية وأخلاقية. ويشير بدقة دامغة إلى الأشهر الأولى من ما يسمى بوقف إطلاق النار، مسجلاً استشهاد مئات الأطفال واستهداف المستشفيات الميدانية الأردنية، ومؤكداً أن ما يحدث يتجاوز التبعات العسكرية الطارئة ليصبح محاولة ممنهجة لمحو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد بالقوة السافرة.
ولا يتوقف التشريح عند حدود غزة، بل ينعطف الخطاب نحو الضفة الغربية ليحدد تحولاً جذرياً في طبيعة الصراع هناك. يصف الملك بكلمات صارمة كيف تحولت الإجراءات التدريجية إلى نهج عدواني شرس يتسم بتصاعد عنف المستوطنين الممنهج، واستهداف المدنيين، وحرق المنازل، وتدمير الممتلكات، وتقويض سبل الحياة. وعندما يقف جنود الاحتلال متفرجين أو مشاركين في هذه الاعتداءات، يتساءل الخطاب بوضوح قاطع عما إذا كان هذا السلوك يمت بصلة لدولة قانون ديمقراطية، ليخلص إلى توصيف دقيق ومكتمل الأركان بأن ما يجري هو تهجير قسري يندرج تحت طائلة جرائم الحرب.
وفي محطة بالغة الأهمية، يسدد الخطاب ضربات محكمة لتحطيم ثلاثة أوهام كبرى يتكئ عليها التقاعس الدولي. الوهم الأول هو الاعتقاد بأن غزة والضفة الغربية قصتان منفصلتان، بينما تؤكد الحقائق أنهما وجهان لاستراتيجية واحدة تستهدف إجهاض حلم الدولة الفلسطينية. الوهم الثاني هو الرهان على أن رفض القيادة الإسرائيلية للدولة الفلسطينية قابل للتغيير، في حين تكرسه الجرافات والمستوطنات كل يوم على الأرض. أما الوهم الثالث والأخطر فهو ترويج فرظية غياب الشريك العربي للسلام، ليفندها الملك بالتذكير بمبادرة السلام العربية لعام 2002 التي عرضت تطبيعاً شاملاً من سبع وخمسين دولة عربية وإسلامية مقابل الحقوق العادلة، وبقيت مطروحة لعقدين دون أن تجد حكومة إسرائيلية واحدة مستعدة لقبولها.
ولا تقتصر حدود الرؤية الملكية على الساحة الفلسطينية، بل تمتد لتطلق تحذيراً استراتيجياً مبكراً حيال الأطماع التوسعية التي تهدد الإقليم برمته، مسلطاً الضوء على الحالة السورية وما تشهده من توغلات متكررة ومساس خطير بمصادر المياه الحيوية كخطوات محسوبة تختبر عتبة الصمت الدولي. وهنا تتصاعد نبرة الخطاب لتعلن بوضوح سيادي قاطع ومباشر يخص الأردن: أي تهديد للحدود الشمالية أو الأمن المائي الأردني هو تهديد مباشر للأمن القومي، ولن يقف الأردن مكتوف الأيدي أو مشيحاً بنظره، بل سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه بعزم وصلابة لا تراجع فيهما.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يرسم الخطاب معالم النموذج الأردني الثابت الذي يرفض المفاضلة بين الاستجابة للازمات الطارئة وبناء المستقبل. يوضح جلالته كيف يسير الأردن على مسارين متوازيين لتعزيز الروابط الإقليمية من الخليج إلى المتوسط، ومكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات، وحماية الوجود المسيحي التاريخي وإرثه في موطنه الأصلي، والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في وجه أصوات الكراهية، فضلاً عن التمسك الراسخ بدعم الأونروا وحمل أمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
يختتم الخطاب فلسفته بالتأكيد على أن التمسك بالدبلوماسية لا يعبر أبداً عن ضعف، وأن القوة العسكرية مهما بلغت لن تطعم جائعاً ولن تبني سلاماً مستداماً. إن المخرج الحقيقي يكمن في استعادة الشرعية، وصيانة الثقة بين الدول، وتطبيق القوانين بفعالية، لتستقر المرافعة عند عبارتها الخالدة التي تقرع جرس إنذار أخير لضمير العالم: المستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار عمداً أن نتجاهله.
اسم الكاتب : الدكتور أسامة حمدان الرقب
الرقب يكتب : جلالة الملك يضع العالم أمام مرآة الحقيقة من منبر الأمم المتحدة
الثلاثاء - pm 11:31 | 2026-09-22
22 الإعلامي -









