×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : عمر الدريني

الدريني يكتب : اليوم الدولي لمناهضة العنف والتنمر في المدارس، بما في ذلك التنمر الإلكتروني – 5 تشرين الثاني

الدريني يكتب : اليوم الدولي لمناهضة العنف والتنمر في المدارس، بما في ذلك التنمر الإلكتروني – 5 تشرين الثاني
22 الإعلامي   -

بقلم : عمر الدريني 

التنمر لا ينتهي عند بوابة المدرسة: قد يغادر الطالب الصف، لكن أثر الكلمة التي سمعها قد يرافقه إلى البيت، وإلى الطريق، وإلى شاشة هاتفه.

اعتدنا أن نتحدث عن التنمر بوصفه مشكلة مدرسية تقع في الساحة أو داخل الصف، ثم نتعامل معها كما لو أن انتهاء الدوام يضع حدًا لها، غير أن حياة الطالب لا تتوقف عند جرس الانصراف؛ فهو يعود إلى منزله حاملًا ما عاشه خلال يومه، وقد يجد الإساءة في هاتفه، أو في مجموعة أصدقائه، أو في مكان يلتقي فيه بزملائه خارج المدرسة، وهكذا تصبح الحدود بين المدرسة والمجتمع أقل وضوحًا، بينما يبقى أثر الأذى حاضرًا.

قد يتعرض الطالب في المدرسة لتعليقات متكررة، ثم يجدها وقد انتقلت إلى مجموعة إلكترونية، أو يسمع اللقب نفسه في الحي، أو يكتشف أن صورة التُقطت له أصبحت مادة للتداول، وقد يحدث العكس أيضًا؛ تبدأ الإساءة خارج المدرسة، ثم تنتقل إلى الصف وتؤثر في علاقاته ومشاركته وشعوره بالأمان، وفي الحالتين، لا يمكن فهم المشكلة إذا نظرنا إلى المكان الذي وقعت فيه آخر حادثة فقط، وتجاهلنا السياق الأوسع.

هذا لا يعني أن المدرسة مسؤولة عن كل خلاف يقع بين الطلبة في كل مكان، أو أن عليها التدخل خارج صلاحياتها، لكنه يعني أن عليها أن تتعامل بجدية مع الوقائع التي تؤثر في سلامة الطلبة وبيئتهم التعليمية، وأن تنسق مع الأسرة والجهات المختصة وفق الأطر المعمول بها، فالتنمر الذي يبدأ خارج المدرسة قد يتحول إلى تهديد داخلها، والإساءة الرقمية قد تجعل الطالب يخشى مواجهة زملائه في اليوم التالي.

وتحتاج الأسرة إلى أن تنظر إلى التغيرات التي تطرأ على الأبناء دون استعجال الأحكام، فقد يصبح الطفل سريع الانفعال، أو ينسحب من الحديث، أو يرفض استخدام هاتفه أمام الآخرين، أو يتردد في الذهاب إلى المدرسة، لا تثبت هذه العلامات وحدها وجود تنمر، لكنها قد تكون مدخلًا لحوار هادئ، ومن المهم ألا يتحول السؤال إلى تحقيق، وألا يُقابل الاعتراف باللوم أو التهديد بمصادرة كل شيء قبل فهم ما حدث.

أما المجتمع، فله دور في وقف التطبيع مع السخرية والإهانة، لا ينبغي أن تتحول تعليقات الكبار الجارحة إلى مادة للضحك أمام الأطفال، ولا أن يُطلب من المتضرر دائمًا أن يتحمل حتى لا يُتهم بالضعف، فالرسائل التي يسمعها الطفل في محيطه تشكل فهمه للكرامة والاختلاف والحدود، وقد تنقض في دقائق ما تحاول المدرسة ترسيخه خلال أسابيع.

وفي الفضاء الرقمي، تصبح المسؤولية أكثر إلحاحًا، فالمشاركة في نشر صورة مهينة أو إعادة إرسال رسالة تستهدف طالبًا قد توسع دائرة الضرر، حتى لو لم يكن الناشر هو صاحب المبادرة، وينبغي تعليم الأبناء عدم تداول المحتوى المسيء، وعدم الدخول في حملات التشهير، وحفظ الأدلة عند الحاجة، والإبلاغ عبر القنوات المناسبة بدل الرد بالمثل أو تصعيد النزاع.

ومن الضروري أن تكون هناك لغة مشتركة بين البيت والمدرسة، عندما يُبلّغ ولي الأمر عن واقعة، ينبغي أن يجد جهة تستمع إليه وتوضح خطوات المتابعة، وعندما تتواصل المدرسة مع الأسرة، ينبغي ألا يكون الهدف إلقاء اللوم، بل فهم الوقائع وحماية الطلبة ومعالجة السلوك، كما أن تبادل المعلومات يجب أن يحترم الخصوصية، وألا يتحول إلى تداول لأسماء الأطفال وتفاصيلهم في مجموعات عامة.

في اليوم الدولي لمناهضة العنف والتنمر في المدارس، علينا أن نتذكر أن حماية الطفل لا تنتهي عند سور المدرسة، حتى إن اختلفت الجهات المسؤولة عن كل مساحة من حياته، فالمدرسة والأسرة والمجتمع لا يملكون الأدوار نفسها، لكنهم يشتركون في هدف واحد: ألا يضطر طفل إلى حمل خوفه وحده من مكان إلى آخر.