في كثير من الأحيان، لا تبدأ التحولات الكبرى داخل قاعات المؤتمرات أو المؤسسات الضخمة، بل من فكرة علمية جادة، وباحث يؤمن بأن قراءة المكان يمكن أن تكون أكثر دقة وعدالة وعمقاً.
هكذا بدأت الحكاية؛ من رسالة ماجستير أردنية، قبل أن تمتد آثارها لاحقاً إلى أحد أهم المخططات المكانية في الأردن، وتصل بصورة غير مباشرة إلى منصة جائزة عالمية مرموقة في التخطيط عام 2012.
لم يكن الفوز الذي حققه المخطط الشمولي الاستراتيجي لمنطقة البترا مجرد نجاح تخطيطي عابر، بل اعترافاً دولياً بقيمة منهجية تخطيطية تقوم على فهم المكان بوصفه منظومة متشابكة من المتغيرات البيئية والاجتماعية والاقتصادية والتراثية، لا مجرد أرض تنتظر قرار استعمالات.
وقد نال المخطط الشمولي للبترا، الذي أعده إئتلاف ثلاثة شركات عالمية، ومنها شركة التخطيط الأمريكية Design Workshop، جائزة "بيري لانفانت" (Berry L. Enfant Award) الدولية التابعة للجمعية الأمريكية للمعماريين (AIA)، وهي من أبرز الجوائز العالمية التي تكرم المخططات الشمولية القادرة على تحقيق توازن مبتكر بين التنمية الاقتصادية، وحماية الإرث التاريخي والطبيعي، وتعزيز المجتمعات المحلية.
وقد اعتُبر المخطط حينها خارطة طريق استراتيجية للتنمية السياحية والاستثمارية وإدارة المواقع الأثرية والبنية التحتية في إقليم البترا.
غير أن خلف هذه النتيجة الدولية قصة معرفية أعمق.
فالفكرة الجوهرية التي استندت إليها منهجية التحليل المكاني في البترا لم تولد داخل شركة استشارية أو مؤسسة أجنبية، بل تعود جذورها إلى أعمال أكاديمية أردنية، بدأت مع رسالة الدكتوراه للبروفيسور محمد الفرجات 2002، والتي طورت فلسفة تقوم على جمع طبقات المتغيرات الجيوبيئية والمكانية ضمن معادلات وأوزان تحليلية خاصة لإظهار الحساسية المكانية وملاءمة استعمالات الأراضي.
ومن هذه القاعدة الفكرية والعلمية، جاءت لاحقاً رسالة الماجستير للطالب حسن إبراهيم في جامعة آل البيت 2005، بإشراف ومسار علمي خططه البروفيسور الفرجات، لتشكل نموذجاً تطبيقياً متقدماً لهذه الفلسفة التخطيطية.
اعتمدت الرسالة على فكرة لم تكن شائعة آنذاك في البيئة التخطيطية العربية؛ وهي أن القرار المكاني لا ينبغي أن يبنى على مؤشر أو عامل منفرد، بل على دمج عدد كبير من الطبقات والمتغيرات البيوجيوبيئية والاجتماعية والاقتصادية والهيدرولوجية والطبوغرافية، ضمن نظام ترجيح وتحليل متعدد المعايير (Multi-Criteria Evaluation – MCE) باستخدام نظم المعلومات الجغرافية.
كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها:
كل موقع على الأرض يحمل حساسية مكانية خاصة به، ولا يمكن الحكم على صلاحيته أو هشاشته إلا عبر قراءة متكاملة لجميع طبقاته المتداخلة.
وقد استندت المنهجية إلى المعايير الدولية لاستعمالات الأراضي، خاصة معايير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، ثم جرى تحويل المتغيرات إلى خرائط رقمية ومصفوفات تحليلية، بحيث تحصل كل خلية مكانية على قيمة مركبة تعكس مستوى الحساسية والملاءمة المكانية.
في تلك المرحلة، كان البروفيسور محمد الفرجات يشغل موقع مفوض التنمية المحلية وأحد المؤسسين في سلطة إقليم البترا التنموي السياحي، وكان قبل ذلك أستاذا في جامعة آل البيت، والمشرف العلمي ومخطط مسار رسالة الطالب حسن إبراهيم.
ومن موقعه التخطيطي والمؤسسي، عمل على نقل الفكرة من فضاء البحث الأكاديمي إلى فضاء التخطيط الإقليمي واسع النطاق.
وعندما بدأت شركة Design Workshop الأمريكية إعداد المخطط الشمولي الاستراتيجي للبترا عام 2010، جرى توظيف ذات الفلسفة العلمية بطلب من البروفيسور الفرجات، ولكن بعد تطويرها لتتلاءم مع خصوصية البترا بوصفها منظومة تراثية وسياحية وبيئية وإنسانية معقدة.
فلم يعد التحليل مقتصراً على الجوانب الفيزيائية وحدها، بل شمل أيضاً حساسية المواقع الأثرية، وضغط السياحة، واحتياجات المجتمعات المحلية، والبنية التحتية، ومخاطر البيئة الطبيعية، بما أنتج رؤية مكانية أكثر اتزاناً واستدامة.
ولعل ما يمنح هذه القصة خصوصيتها أن المنهجية التي بدت في بدايتها اجتهاداً أكاديمياً محلياً، أصبحت لاحقاً جزءاً من المدرسة الحديثة في تحليل الحساسية المكانية (Spatial Sensitivity Analysis)، وهي المدرسة التي تقوم على دمج طبقات البيانات البيوجيوبيئية والمجتمعية ضمن معادلات ترجيحية لتوجيه القرار التخطيطي.
واليوم، أصبحت معظم الدراسات المتقدمة في التخطيط المكاني، وإدارة الأراضي، وتقييم الملاءمة البيئية، تعتمد بدرجات مختلفة على هذا المبدأ ذاته:
دمج الطبقات المكانية المتعددة للوصول إلى قرار أكثر دقة واستدامة وعدالة.
إن قصة البترا ليست فقط قصة جائزة دولية فازت بها شركة تخطيط أمريكية عام 2012، بل أيضاً قصة فكرة علمية خرجت من جامعة وباحثين أردنيين، ثم وجدت طريقها إلى مشروع عالمي حاز تقديراً دولياً. وهي تذكير بأن المعرفة المحلية، حين تقترن بالمنهج والرؤية والإصرار، لا تبقى حبيسة الرسائل الجامعية، بل قد تتحول إلى أثر عالمي يمتد لعقود.






