بقلم : الباحثة رحمه مهدي العمرات ، محامية متدربة ، ناشطة شبابية، وباحثة في الشبكة العربية للباحثات والباحثين الشباب في مجال الحقوق الاجتماعية والاقتصادية ، وبالشبكة العربية للممارسات الديموقراطية والتنمية الشاملة .
لم يعد العمل محصورًا في الصورة الإعتيادية له والتي إعتادت عليها الأذهان من حيث مكان عمل ثابت ومكتب ، عقد واضح،حقوق والتزامات منظمة وتغطية صحية وضمان إجتماعي ، فاليوم يتوجه الآلاف من الأردنيين إلى سوق عمل حديث نسبيًا لا يتطلب سوى هاتف ذكي وسيارة وهو ما يعرف (بالمنصات الرقمية) التي لا تنفك أن تتطور وتتسع بينما لا تزال منظومة الحماية القانونية والإجتماعية قاصرة عن مواكبتها .
ومما برز في الآونة الإخيرة أن تطبيقات الهاتف المتعلقة في النقل والتوصيل لم تقتصر على كونها وسيلة للحصول على الخدمات والإحتياجات بأريحية بل تحولت إلى مصدر رزق للعديد من الأُسر الأردنية وتُشير التقديرات إلى أن عدد العاملين في توصيل الطلبات والسلع بلغوا نحو 25 ألف أردني، معظمهم من الشباب، إلى جانب 13 إلى 15 ألفاً يعملون في النقل الذكي، وما يقارب 10 إلى 15 ألفاً في مجالات العمل الرقمي مثل البرمجة والتصميم والترجمة مع الإشارة إلى أن معظم هؤلاء لا يتمتعون بأي إشتراك في الضمان الإجتماعي، ولا يتمتعون بحماية من الفصل التعسفي أو بأي تمثيل نقابي.
بالتالي ومع تقدير العدد الإجمالي الذي قد يصل الى 60 الف عامل تبرز لنا حقيقة لا يمكن ان نغضَّ النظر عنها أن كون هذا القطاع يأخذ بالإتساع لزيادة أعداد المعتمدين عليها في تأمين دخلهم في الوقت نفسه لا زالت حقوقهم ومراكزهم القانونية موضع إستفهام كونه لا يمكن تعريف العلاقة بين مستخدم التطبيق والمستفيد من الخدمة بشكل قطعي .
ومما يبرزه الواقع أن الفكرة المتكونة لدى البعض كون العامل على هذه التطبيقات يملك زمام أمره بيده في تقرير ساعات عمله ونهايتها لكونه غير محصور او ملزم بمكتب او عقد عمل في تصورات تتبخر عند تقريب العدسة على العاملين في هذا المجال ، فالسائق /العامل وإن كان يبدو بمظهر المستقل إلا أنه في كثير من الأحيان لا يملك سلطة حقيقة على مجرى سير عمله ويومه فلا سلطة له في أن يحدد المقابل المادي او التسعيرة ولا مقدار العمولة ولا يُفاوض في شروط تقديم خدماته، وعما عداه قد يُحرم من مصدر دخله في حال حصوله على تقييم سلبي على منصته بضغطة زر .
وتبرز مفارقة مدى إستقلالية العامل في مباشرة عمله وتحمل الإلتزامات وتزداد هذه المفارقة وضوحًا عند إحتساب الكلفة الفعلية التي يتحملها السائق كالتصاريح ، التأمين،الرخص ، ومخالفات السير والمخالفات التي تطول السائق لكونه يعمل ضمن تطبيق غير مرخص في بعض الأحيان والتي قد تصل الى الآف الدنانير أي ضعف المبلغ الذي سيحصل عليه لقاء خدمته لا بل بأضعاف مضاعفة ، عدا عن النفقات الأخرى كالضرائب ومصاريف الوقود والصيانة مما يجعل صافي الدخل ضئيل او بخسارة ، وهذه الطبيعة المتغيرة تجعل السائقين أمام التزامات متزايدة تبقى رهينة الطلب اليومي وتغيرات السوق والسياسات الخاصة للشركات التي يتبعون لها بشكل يتحول معه العمل من مساحة مرنة الى زجاج هش يبقى السائق مهدد معه بتبعات التغيرات الاقتصادية .
ومما تكشفه العقود المبرمة بين السائق والشركة المشغلة أن هناك علاقة مختلة التوازن إذ تُشير التقارير تشير أن هذه العقود بغالب الأحيان تكون بهيئة صيغ إلكترونية أقرب إلى عقود إذعان لا يكون أمام السائق خيار سوى القبول بها أو مغادرة المنصة، وتبين التقارير بهذا الشأن أن هذه العقود هي عقود الكترونية وتشبه إلى حد كبير الدخول إلى التطبيقات المتواجدة بأي هاتف وتتكون من 40 صفحة ولا يستطيع السائقون الإنتقال إلى الصفحة التالية إلا بالنقر على خيار السماح ناهيك أن نصوص هذه العقود تكون وفقًا لقوانين دول أجنبية وليس الأردن أو دول عربية.
ودون أدنى شك ان القضية لا تختزل بالعقود فحسب انما تمتد إلى الحماية الأجتماعية مع حقيقة أن العاملين على هذه المنصات غير مشمولين بالضمان الاجتماعي وما زال شمولهم قيد الدراسة وفي ذات السياق ناقشت الشبكة العربية للباحثات والباحثين الشباب في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية العمل الغير منظم والحماية الاجتماعية إذ أن التوسع في نمط العمل لا يعني إنتقال العامل لفضاء مستقر على العكس قد يعاد إنتاج الهشاشة بصور اخرى عند تحمل العامل مخاطر متقلبة دون حماية راهنة وحالة سائقي التطبيقات هي المثال الحي على ذلك ، فمعظم العمال/السائقين لا يتمتعون بالحماية المرتبطة بالعمل من ناحية شبكات السلامة المهنية كإصابات العمل والأمراض وشمولهم بتأمين صحي ، أو وجود حماية قانونية كتطبيق قانون العمل لصالحهم ، مع غياب التنظيم النقابي وانعدام وسائل التظلم على هذه المنصات دون أن ننسى الضغوط البشرية من حيث المنافسة وتأثيرها على ساعات العمل واجورها مما يخلق حالة من عدم الأمان الوظيفي .
وبتتبع هذه الحالة في الدول الاخرى وفقا لمنظمة العمل الدولية فهذه الاشكالية ممتدة عالميًا كون أن العمل على هذه المنصات يتوسع بوتيرة سريعة تسبق قدرة المشرع وأنظمة الحماية الأجتماعية في تنظيمه ومواكبته ، فقد أظهرت التجارب التي تناولت أوضاع العمال خضم الأزمات أن الفئات العاملة التي تخرج عن الأشكال التقليدية للعمل تكون غالبًا الأكثر عرضة للمخاطر والأقل استفادة من شبكات الحماية الاجتماعية ، وعليه تغدو المطالبات المتعلقة بالضمان الإجتماعي والأمان الوظيفي في قطاع التطبيقات الرقمية جزء من صورة أكبر ترتكز على حمايتهم في ظل التغير النمطي لهذا العمل .
نافلة القول أن نقاشنا لا يقف على أعتاب المنصات الرقمية ولا في عدد الشركات التي تستقطب العاملين أو حتى في حجم السوق بأكمله ، فالجوهر هو الطريقة التي تم إعادة تعريف العمل بها في إطار هذا النموذج الاقتصادي الحديث ، فمع تحمل العامل تكاليف ونفقات عدة تبقى حقوقه محل جدل تتعلق بمطالبات العاملين في هذا السياق كالشمول بمظلة الضمان الإجتماعي والتأمين الصحي والحماية من الفصل التعسفي أو حتى تخفيض سقف الإقتطاعات والعمولات فمجموعها مطالب تحاول أن ترجح كفة التوازن في العلاقة بما يحقق الإستقرار .
العمرات تكتب : حين يصبح التطبيق ربّ العمل .. المنصات الرقمية خارج الحماية الاجتماعية في الأردن
Friday - pm 09:42 | 2026-08-14
22 الإعلامي -






