بقلم : الباحثة رغد ماهر يوسف فيات
عندما نتحدث عن الطفل ذي اضطراب طيف التوحد، كثيرًا ما يكون التركيز على الكلام والقدرة على التعبير، وعلى السؤال المعتاد: «هل يتكلم الطفل أم لا؟». لكن التواصل في الحقيقة أوسع بكثير من الكلام، وأحيانًا يكون الطفل يتواصل معنا طوال الوقت، لكننا لا ننتبه إلى الطريقة التي اختارها للتعبير عن نفسه.
قد ينظر الطفل إلى الشيء الذي يريده، أو يشير إليه، أو يأخذ يد والده باتجاهه، وقد يكرر كلمة أو صوتًا معينًا، أو يبتعد عن موقف لا يشعر بالراحة فيه. هذه التصرفات قد تبدو بسيطة، لكنها بالنسبة للطفل قد تكون وسيلته في قول: «أريد هذا»، «لا أريد»، «ساعدني»، أو حتى «هذا الشيء يزعجني».
وهنا تظهر أهمية دور الأسرة. ففهم الطفل لا يبدأ فقط بتعليمه كلمات جديدة، وإنما بمحاولة فهم ما وراء سلوكه وطريقة تعبيره. عندما يبكي الطفل، أو يصرخ، أو ينسحب، من المهم ألا نتوقف عند السلوك نفسه، بل نسأل: ماذا يحاول أن يقول؟ ماذا حدث قبل ذلك؟ وما الذي يحتاج إليه في هذه اللحظة؟
ومن أكثر التحديات التي قد تواجه الأسرة صعوبة تفسير إشارات الطفل، خاصة عندما تكون قدرته على التعبير محدودة. وقد يؤدي ذلك أحيانًا إلى سوء فهم بين الطفل ووالديه، فيشعر الأهل أن طفلهم لا يستجيب أو لا يرغب في التواصل، بينما قد يكون هو بحاجة إلى طريقة مختلفة حتى يستطيع التعبير عن نفسه.
لذلك، يمكن للمواقف اليومية أن تكون فرصة حقيقية للتواصل. وقت الطعام، واللعب، والخروج من المنزل، وحتى اختيار الملابس أو الألعاب، كلها مواقف يمكن فيها إعطاء الطفل فرصة ليطلب ويختار ويرفض ويشارك. ولا يشترط أن تكون هذه المواقف جزءًا من جلسة تدريب رسمية؛ فالتواصل يحدث في الحياة اليومية قبل أن يحدث على طاولة التدريب.
كما أن بعض الأطفال قد يحتاجون إلى وسائل أخرى تساعدهم على التعبير، مثل الصور أو الإشارات أو وسائل التواصل البديلة والمعززة، وهذا لا يعني أن الطفل غير قادر على التواصل، بل يعني أننا نحاول أن نوفر له الوسيلة التي تناسب قدراته.
ومن المهم أيضًا أن يتذكر الأهل أن لكل طفل طريقته الخاصة في التواصل، وأن ما ينجح مع طفل قد لا ينجح بالضرورة مع طفل آخر. لذلك فإن ملاحظة اهتمامات الطفل، وفهم احتياجاته، وإعطائه وقتًا كافيًا للاستجابة، والاستعانة بالمختصين عند الحاجة، كلها أمور تساعد على بناء تواصل أكثر وضوحًا وراحة.
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: «لماذا لا يتواصل طفلي بالطريقة التي أريدها؟»، وإنما: «كيف يتواصل طفلي، وماذا يحاول أن يخبرني؟».
فحين نبدأ بالنظر إلى الطفل من زاويته، وليس فقط من زاويتنا، قد نكتشف أن الكثير مما كنا نراه سلوكًا عابرًا كان في الحقيقة محاولة للتواصل، وأن وراء كل إشارة أو نظرة أو حركة رسالة تستحق أن نفهمها.









