بقلم: آلاء سلهب التميمي
كيف يمكن لأمةٍ تستحضر سيرة الأنبياء في صلاتها، وتقرأ أسماءهم في كتابها، أن تمرّ على ما يتعرض له أحد أعرق مقاماتهم في فلسطين من انتهاكات، وكأن الأمر خبرٌ عابر في نشرات الأخبار؟
في الخليل، حيث يقف الحرم الإبراهيمي الشريف شاهدًا على قرون من الإيمان والتاريخ، لا تتعلق القضية بحجارة قديمة أو أبواب تُغلق فحسب؛ إنها قضية حق في العبادة، وذاكرة شعب، ومقدس تتوارث الأجيال ارتباطها به. وحين يُمنع الأذان، أو يُحرم المصلون من الوصول إلى مسجدهم، أو تُفرض تغييرات على معالم المكان، فإن الألم يتجاوز حدود الجغرافيا ليصل إلى وجدان كل مسلم يدرك معنى المسجد وقدسية الصلاة وحرمة المقدسات.
إن ما يجري في الحرم الإبراهيمي يستحق موقفًا عربيًا وإسلاميًا ودوليًا يتناسب مع خطورة الوقائع الموثقة، بعيدًا عن الاكتفاء ببيانات الاستنكار التي تتكرر فيما تتواصل الإجراءات على الأرض.
حين يُمنع الأذان.. ما الذي يُنتزع من الخليل؟
في السادس من تشرين الأول 2026، نقل اتحاد وكالات أنباء منظمة التعاون الإسلامي عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية أن سلطات الاحتلال منعت رفع الأذان في الحرم الإبراهيمي الشريف 150 مرة خلال شهر أيلول، وأغلقت الحرم إغلاقًا كاملًا ستة أيام بذريعة الأعياد اليهودية.
هذه الأرقام، كما أوردها التقرير الفلسطيني، ليست مجرد إحصاءات تُضاف إلى سجل الأخبار؛ فخلف كل مرة يُمنع فيها الأذان، صوتٌ حُرم من الوصول إلى مآذن المكان، وخلف كل إغلاق مصلٍّ لم يتمكن من أداء عبادته في موعدها، وعائلة فلسطينية تشعر بأن المساحة المتاحة لممارسة حياتها الدينية تضيق أكثر.
أي معنى يبقى لحرية العبادة إذا أصبح الوصول إلى المسجد محكومًا بقيود متكررة؟ وكيف يمكن التعامل مع منع الأذان وإغلاق مكان مقدس باعتبارهما تفصيلين عابرين، بينما يرتبطان بحقوق دينية وإنسانية أساسية؟
إن قدسية المساجد لا تُصان بالكلمات وحدها، وإنما باحترام حق المصلين في الوصول إليها، وإقامة شعائرهم فيها، والحفاظ على استقلالها الديني وهويتها التاريخية. ولا يجوز أن يصبح تقييد العبادة واقعًا مألوفًا يفقد الناس القدرة على الاعتراض عليه أو يعتاد العالم مشاهدته.
الحرم الإبراهيمي.. تاريخ لا يجوز العبث به
في البلدة القديمة بمدينة الخليل، يتجاوز الحرم الإبراهيمي الشريف مفهوم المسجد بوصفه مكانًا للصلاة؛ فهو معلم ديني وتاريخي ارتبط بالنبي إبراهيم عليه السلام، ويحتل مكانة راسخة في التراث الديني الإسلامي، كما يرتبط بذاكرة أتباع ديانات أخرى. وهذه الخصوصية لا تنتقص من هويته الإسلامية، بل تزيد مسؤولية الجميع عن احترام قدسيته وصون معالمه.
تحمل جدران الحرم ومحيطه آثار عصور متعاقبة، فيما تشكل البلدة القديمة نسيجًا عمرانيًا وحضاريًا متراكمًا عبر القرون. وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» البلدة القديمة في الخليل على قائمة التراث العالمي عام 2017، وأدرجتها كذلك على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.
ولم تكن المخاوف المتعلقة بالموقع مجرد تحذيرات صحفية. ففي القرار رقم 47 COM 7A.45 الصادر عن لجنة التراث العالمي عام 2025، أعربت اللجنة عن استيائها من أنشطة إسرائيلية أُبلغ عنها داخل البلدة القديمة، شملت استكمال تركيب مصعد كهربائي في الحرم الإبراهيمي، وأعمالًا استيطانية وتنقيبات وهدم منشآت تاريخية، وربطت هذه الأنشطة بالإضرار بأصالة الموقع وسلامته، وبالقيود على حرية الحركة والوصول إلى أماكن العبادة. كما أعربت عن قلقها إزاء خطط تغطية الساحة المفتوحة للحرم دون موافقة الدولة الطرف المعنية، ودعت إلى الالتزام بالمتطلبات الدولية الخاصة بحماية التراث.
وفي عام 2026، تناولت وثائق اليونسكو أيضًا مخاوف جديدة تتعلق بتغييرات في إدارة التخطيط والبناء والتدخلات المبلغ عنها في الموقع، بما يعزز الحاجة إلى متابعة دولية فاعلة لحمايته.
إن خطورة هذه الوقائع تكمن في أن حماية التراث لا تعني الحفاظ على شكل المبنى الخارجي فقط؛ بل تشمل صون أصالته المعمارية، واحترام قيمته التاريخية والدينية، ومنع التدخلات التي قد تُحدث تغييرات يصعب التراجع عنها. فالمواقع المقدسة ليست مساحات يجوز إعادة تشكيلها بإجراءات أحادية تتجاهل الجهات الفلسطينية المختصة والالتزامات الدولية ذات الصلة.
الخليل ليست مجرد مدينة.. إنها ذاكرة فلسطين
من يزور الخليل لا يرى الحرم الإبراهيمي بمعزل عن المدينة وأهلها؛ فالمكان جزء من حياة الناس وذاكرتهم اليومية، والأسواق والبيوت والأزقة المحيطة به ليست مشهدًا سياحيًا جامدًا، بل فضاء يعيش فيه الفلسطينيون ويحملون أعباء القيود التي تطال حركتهم وأعمالهم وعبادتهم.
ولهذا، فإن الدفاع عن الحرم لا ينفصل عن الدفاع عن حق سكان البلدة القديمة في الحياة الكريمة، وعن قدرتهم على الوصول إلى بيوتهم وأعمالهم ومقدساتهم. ولا يمكن حماية التراث حماية حقيقية إذا عُزل عن المجتمع الذي حافظ عليه، أو إذا أصبح الوجود اليومي لأصحابه محكومًا بقيود متزايدة.
ومن هنا، فإن أي حديث عن صون الحرم الإبراهيمي ينبغي أن يتناول الإنسان إلى جانب الحجر، والمصلّي إلى جانب المعلم التاريخي، والأسرة الفلسطينية إلى جانب الوثيقة الدولية. فالتراث ليس ذاكرة صامتة، بل حياة مستمرة، وأي تهديد لأهله ينعكس على قدرة المكان نفسه على الاحتفاظ بروحه وهويته.
من ذاكرة الأنبياء إلى مسؤولية المسلمين
إن ارتباط الحرم الإبراهيمي بالنبي إبراهيم عليه السلام يمنحه مكانة خاصة في الوجدان الإسلامي. فإبراهيم عليه السلام ليس اسمًا عابرًا في تاريخ الإيمان؛ بل نبي ارتبطت سيرته بالتوحيد، والثبات على العقيدة، والوفاء لله، وأصبح ذكره حاضرًا في شعائر المسلمين وصلواتهم.
ومن هنا، فإن استحضار مكانته لا ينبغي أن يبقى في حدود العاطفة، بل يجب أن يتحول إلى وعي بالمسؤولية تجاه المقدسات التي ارتبطت بسيرته. فمحبة الأنبياء لا تُقاس بما نقوله عنهم وحده، وإنما بما نبذله من جهد لحماية المعالم المرتبطة بذاكرتهم، واحترام حرمة أماكن العبادة، والدفاع عن حقوق المصلين.
وفي هذا السياق، يحضر التاريخ الإسلامي بما يحمله من سير وشخصيات أسهمت في تشكيل الذاكرة الدينية والثقافية في بلاد الشام وفلسطين. غير أن استدعاء التاريخ لا يكتمل بالمباهاة به، بل يتطلب توثيقه بدقة، وحماية آثاره، ونقل رواياته إلى الأجيال المقبلة بعيدًا عن الخلط بين الأنساب والأحداث أو توظيفها دون سند تاريخي.
إن الحرم الإبراهيمي ليس قضية المسلمين وحدهم من حيث مسؤولية حماية التراث الإنساني، لكنه يحتل في وجدانهم منزلة دينية تجعل الدفاع عن حريته وقدسيته واجبًا أخلاقيًا لا يصح تجاهله. ومن حق المسلمين أن يروا موقفًا عمليًا ينسجم مع مكانة هذا المسجد، لا أن تظل قضيته حاضرة في الخطب والمناسبات ثم تغيب حين يحين وقت العمل.
الأردن والدبلوماسية العربية.. من الموقف إلى الفعل
بالنسبة إلى الأردن، تندرج حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين ضمن موقفه الثابت الداعم للحقوق الفلسطينية المشروعة، واحترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في الأماكن المقدسة، ورفض الإجراءات الأحادية التي تمس هويتها.
ولا يعني ذلك تحميل الأردن وحده مسؤولية حماية الحرم، فهذه مسؤولية تتوزع بين الجهات الفلسطينية المختصة، والدول المعنية، والمؤسسات الدولية، والدول الأطراف في الاتفاقيات ذات الصلة. لكن الدور الأردني الدبلوماسي يظل مهمًا في إبقاء القضية حاضرة في المحافل الدولية، وحشد الدعم لحماية المقدسات، والمطالبة بتنفيذ القرارات ذات الصلة.
والمطلوب اليوم ليس مزيدًا من بيانات القلق، بل تحرك دبلوماسي متواصل يضع الوقائع الموثقة أمام المؤسسات الدولية، ويتابع تنفيذ قرارات لجنة التراث العالمي، ويطالب بضمان حرية الوصول إلى الحرم ورفع القيود التي تحول دون ممارسة الشعائر، وبإخضاع أي تدخلات معمارية مؤثرة للمتطلبات الفنية والقانونية الدولية، مع احترام دور الجهات الفلسطينية المختصة.
كما أن على الدول العربية والإسلامية أن تتعامل مع حماية الحرم الإبراهيمي باعتبارها جزءًا من مسؤوليتها الثقافية والإنسانية، من خلال دعم جهود التوثيق والترميم، وتكثيف التحرك الدبلوماسي، وتوفير ما يلزم من خبرات فنية وقانونية لحماية الموقع. فالمقدسات لا تحتاج إلى تضامن موسمي، بل إلى عمل مؤسسي طويل النفس يحول المواقف المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس والمتابعة.
القانون الدولي.. هل تكفي القرارات دون تنفيذ؟
إن حماية الحرم الإبراهيمي ليست مطلبًا عاطفيًا مجردًا، بل ترتبط بمبادئ قانونية تتعلق بحرية الدين وممارسة الشعائر، وبالتزامات حماية الممتلكات الثقافية والأماكن الدينية في الأراضي المحتلة.
وتشكل اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، واتفاقية جنيف الرابعة، والاتفاقيات والقرارات ذات الصلة بحماية التراث العالمي، أطرًا مهمة للنظر في الالتزامات المتعلقة بصون المواقع الثقافية والدينية. كما تنص المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حماية حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل حرية إظهار الدين وممارسة الشعائر وفق أحكام العهد.
وقد وثقت لجنة التراث العالمي في قراراتها المتعلقة بالخليل مخاوف من أنشطة وتدخلات وصفتها بأنها مخالفة للقانون الدولي، ودعت إلى وقف الانتهاكات التي لا تتفق مع الاتفاقيات والقرارات ذات الصلة.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا في الخطاب العربي والدولي: ما قيمة القرارات إذا لم تُترجم إلى حماية فعلية للموقع وحقوق المصلين؟ وما جدوى إدراج معلم ديني وتاريخي على قوائم التراث العالمي إذا ظلت الإجراءات التي تهدد أصالته وسلامته موضع تقارير متكررة؟
إن مصداقية النظام الدولي لا تُختبر عند إصدار القرارات فقط، بل عند متابعتها وتنفيذها، وضمان ألا تتحول الحماية القانونية إلى نصوص لا تغير شيئًا في حياة الناس. ومن حق الفلسطينيين أن يروا أثرًا عمليًا لهذه القرارات في حماية مقدساتهم وحقوقهم، كما أن من حق البشرية أن ترى التزامًا حقيقيًا بصون التراث الذي أُدرج باسمها ولأجيالها المقبلة.
لنعتذر لأجيالنا إن اعتدنا مشهد الانتهاك
ليس المطلوب أن يتحول الحزن على الحرم الإبراهيمي إلى غضب عابر ينتهي بانتهاء الخبر، ولا أن تقتصر علاقتنا بالمقدسات على استحضارها في المناسبات الدينية. المطلوب أن يتحول هذا الارتباط إلى معرفة موثقة، وموقف مسؤول، وعمل مستمر يحمي المكان ويصون حقوق أهله.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمقدسات هو أن يعتاد العالم ما يصيبها، وأن يصبح منع الأذان خبرًا عاديًا، وإغلاق المسجد رقمًا في تقرير، والتغيير في معالم التاريخ تفصيلًا لا يستوقف أحدًا. فحين يتراجع الإحساس بالمسؤولية، تتسع المسافة بين ما نؤمن به وما نفعله لحمايته.
والخليل اليوم لا تحتاج إلى كلمات رثاء بقدر حاجتها إلى مواقف تضمن للمصلين حقهم، وللمقدسات حرمتها، وللتراث أصالته، ولأهل المدينة حقهم في الحياة والكرامة. وهي تحتاج إلى تضامن لا يختزل الفلسطينيين في صور المعاناة، بل يعترف بحقوقهم ويعمل من أجل حمايتها.
سيبقى الحرم الإبراهيمي الشريف جزءًا من ذاكرة فلسطين، وشاهدًا على تاريخ طويل من الإيمان والحضارة. لكن بقاءه محفوظًا لا ينبغي أن يكون مجرد أمنية نرددها، بل مسؤولية تتطلب التوثيق والمتابعة والعمل القانوني والدبلوماسي، وإرادة لا تسمح بأن تتحول الانتهاكات إلى أمر مألوف.
فالمقدسات لا يحميها البكاء على ماضيها وحده، ولا تصونها الشعارات مهما علت؛ يحميها موقف لا يتراجع، وقانون يُحترم، وضمير لا يعتاد الظلم. والحرم الإبراهيمي الشريف أمانة في ذاكرة المسلمين، ومسؤولية في ضمير العالم، وحق لأهل الخليل لا يجوز أن تبتلعه القيود أو تطمسه إجراءات فرض الأمر الواقع.









